المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تركي المالكي  Headshot

خيارات سكسونيا

تم النشر: تم التحديث:

الخيارات! هي كل ما يتمناه الناس في العالم الحقيقي، قبل الانفتاح الفضائي ودخول الإنترنت لحياتنا كنا أمام خطاب إعلامي يذهب في اتجاه واحد يعمل على ترسيم الخطاب وترصينه وكأنه يصب في قوالب جامدة تسير تحت مسطرة واحدة، بحيث إنك لا تكاد تجد فرقا بين أداء إعلامي في دولة عربية وأخرى!
المتلقي بالطبع قد جرى ترسيمه أيضا ليصبح جاهزا لتلقي هكذا خطاب إعلامي (شديد الرسمية) بنفس كثافته بحيث إنك لا تستطيع فهمه ولا نقده ولا تفكيكه مثله مثل المراسيم والبروتوكولات الرسمية التي تجريها دولة ما في استقبال رئيس دولة أخرى، فليس أمام الضيف سوى تلقي كافة المراسيم والاستسلام لها وتأديتها بكل شكلياتها.
بعد الانفتاح الإعلامي الهائل شهدنا خطابا آخر يناقض كل المراسيم التي عشناها ,أصبح لدينا لأول مرة (خيار)أما محاولة فهم هذا الخطاب الجديد والتعاطي معه خصوصا وأنه ينقل لنا أراء متنوعة ومتضاربة أو أن نعرض عنها لأنها تعارض المنهجية الإعلامية التي تربينا عليها وتتناقض تماما مع الرتم الإعلامي الذي عرفناه تماما كجلب راقص من شرق آسيا ونطلب منه الرقص على أنغام سكوس الأفريقية!
نفس الحال انسحب على مواقع التواصل الاجتماعي والتي ما لبثت وظيفتها في التواصل الاجتماعي أن شهدت تغييرا كبيرا لتغدو مواقع خبرية سياسية وثقافية ورياضية بامتياز حتى إن واحدة من كبار العاملات في مجال تطوير المواقع الإلكترونية وصفت التحور المستمر لتغريدة تويتر لتستقر مؤقتا باعتبارها(تدوينة) مصغرة0
هذا الكم الهائل من وسائل الاتصال والتي أصبحت متاحة للجميع أوجدت (الخيار) لدى المتلقي والذي غدا للمرة الأولى شريكا في الإعلام صانعا للخبر وناقدا ومعلقا، يقرأ ويفسر ويبحث ويحلل لذلك وبتنوع الأفكار والقدرات أضحى لدينا مشاهير من خلال مواقع التواصل لديهم متابعون قد يتخطون قراء صحيفة ما أو مشاهدي قناة فضائية بكل قضها وقضيضها وكثير من هؤلاء المشاهير كانوا واعين تماما لقواعد اللعبة فأخذوا في السير على ميثاق محدد للنشر ومسطرة للتعامل مع الأحداث فيما سقط الكثير في فخ الاصطفاف والتبرير لجهات ما ينتفعون منها، فولد ذلك لدى المتابعين (المتلقي الصامت) تضاربا هائلا فمن كان يؤكد على القيمة الفلانية أصبح يحاربها ويناصبها العداء في حدث تال قد يضر به أو بالجهة التي يتبع لها مما كشف عن مستوى جديد من النفاق المؤلم لكنه رغم ذلك فهو خيار وأعطى للمتلقي الحرية في فهم الأمر وتحديد مصداقيته وأهدافه0
إن كل هذه الفوضى الإعلامية, أسميها فوضى تبعا لحالة الفوران التي تشهدها المنطقة وارتفاع درجة الاستقطاب والتي جسدت لنا حالة الإعلام لتتحول في كثير من حالاتها من ناقلة للخبر وهذه وظيفتها الأصلية إلى حالة خبرية بذاتها يتابعها الناس لتقييم أدائها وتفسير انحيازها وتحليل المواقف التي تؤديها تبعا للجهات التي تقف خلفها بل ونقد وكشف حالات الخروج عن الخط الذي تختطه الجهة الإعلامية ليغدو أضحوكة يتهكم بها المتابعون على مواقع التواصل، نفس الأمر ينسحب على الرموز الإعلامية ومدى تقلبها مع الأحداث وقياس درجة انقلابها فحرص المتلقي الذي يزداد تركيزه الإعلامي كل يوم على تخصيص وقت لمتابعة هؤلاء (المتحولين) لفهم مرامي الجهات التي تقف خلفهم0
في وقتنا هذا لم يعد أحد قادراً على أن يحجب المعلومات عن المتلقي خاصة ذلك الذي يبحث ويفسر ويحلل بخلاف المتابع التقليدي (قد تقتصر على التقليديين) الذين مازالوا يتابعون الصحف المحلية والقناة الوطنية ولا يبحثون عن غيرها، فأصبح الحجب من مخلفات الماضي فغدا سلاح التشتيت هو الحل المؤقت والأكثر جدوى عبر توليد العشرات من القنوات الفضائية والصحف والمواقع الإلكترونية لاستقطاب أكبر عدد ممكن من المتابعين ومن ثم تشتيت الانتباه عن القنوات والجهات الأكثر حيادية ويتم ذلك بنقل الخبر بصورة مغايرة أو بالتشكيك فيه أو باختزاله أو بشيطنة جهة ما لتجعلها مسؤولة عنه أو بتهميشه أو حتى باتباعه بعدة أخبار تسير في سياق مجابه لتخلق نوعاً من الضبابية حول الخبر ويكون ذلك بالاعتماد على تفسير نفسية وعقلية المتلقي ومحاولة التلاعب بهما معتمدين في ذلك على المخزون الهائل من الجهل في الوجدان العربي الذي تربى على إعلام سكسونيا الرسمي0
بقي أن معركة الإعلام الحقيقي لا تقل عن معارك الشعوب في نضالها فالتضييق والتهديد والسجن طال الكثير من الصحفيين إضافة للضغوطات الرسمية التي تقوم بها الكثير من الدول والتي لا يسرها أن يصبح أداؤها تحت المجهر لذلك فالأيام ستفرز والرهان على استيقاظ الوعي العربي، حينئذ لن تجد إعلامياً واحداً يهلل لقطع رقبة الظل لأنها عقوبة قد ألغيت0

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.