المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تقى رياض جميل أبو راضي Headshot

دفتر تلوين

تم النشر: تم التحديث:

من النقطة الأخيرة من مسار حياتي أبدأ الكتابة، من دفتر التلوين، وجدته في رفّ عريض في مكتبة جرير، بينما كنت أبحث بين الكتب عن أي عنوان يلهم في إزالة الرتابة وتحقيق أي هدوء للنفس أو لنقُل، أي نقطة بداية بعد ركود دام سنتين تقريباً.

أيعقل؟ هل أشتري دفتر تلوين من أجل الهدوء والتركيز وبعث الإلهام في نفسي من جديد؟ هل لأنني أجر طفلة في عربة أمامي ويسبقني حس أمومي ما.. لم يبدُ ذلك لي سبباً حقيقياً.. بل لم يبد لي سبباً في الأساس!

الجميل الذي لفتني أن الدفاتر الكثيرة والمتنوعة عُنونت كالتالي: Calming coloring notebook. Coloring notebook for happiness. هل حقاً سوف أقضي ساعات في التلوين في رحلة بحثٍ حقيقية عن السلام الداخلي وحكمةٍ ما في هذا الكون؟

المضحك في الأمر والأكثر إثارة للسخرية أن كتب الأدب التي تشدني كالمغناطيس لم تأخذ مني أكثر من ثلاث دقائق للنظر في رفوفها، بدت لي عناوينها مستهلكة وبالية رغم جدتها، وشعرت بغثيان ما! وذلك ما أثار استغرابي من نفسي، رغم أنها لم تكن المرة الأولى، لنرَ إذن.. ما الذي جدّ فيّ ولم أنتبه إليه.
لم أكن لحظتها على أدنى فكرةٍ ما الذي أريده من هذه الكتب في الداخل ومن هذا العالم في الخارج.

صديقي دفتر التلوين.. هل حقاً سوف أسدي لنفسي معروفاً لاختيارك في التنفيس عني بمجرد أني اخترتك رفيقي الجديد بلا سبب واضح؟

صديقي دفتر التلوين.. لن أكذب عليك فمهمتك صعبة، فأنا أحمل رأساً يدور ما بين أربع عقبات: البذل، والفقد، والصبر وقلة المرونة؟ عليك أن تكون أي شيء.. أي شيء لتخرجني منها.

أما البذل فهو في سبيل مخلوق جديد في حياتي لا يتجاوز طوله الـ76 سم حتى الآن، هذا المخلوق هو ابنتي جوري التي لقنتني درساً قاسياً في المسؤولية غير الطارئة والمقيمة على مر الساعات.. البذل بكل مكنونات الكلمة وكينوناتها، لا أصدق أن مخلوقاً صغيراً يدخل إلى حياتك يحتاج إلى كل هذه الكمية من البذل وبلا توقف.

قبل يومين فقط قرأت مقالاً لأم قررَت أن تخرج عن صمتها وتتحدث عن البذل المهول الذي يمكن أن تعيشه أُم لديها طفل يصغر عن السنتين، تقول إن كنت كذلك.. فأنت لا وقت لديك من أجلك إطلاقاً، وأنا أزيد: ولا من أجل أحد!

لم يخبرنا أحد بأن الأطفال أشبه ما يكونون بالكائنات الطفيلية التي تأكل كل شيء لتكبر، دمك وعظامك وهواءك وطعامك ووقتك وحتى وسادتك، كل شيء يصبح أحقية لهم!! السؤال الأكبر هنا: أين كان أهلونا من كل هذه الشكوى التي نعيشها وأين نحن من "ثقافة البذل"؟ لماذا هي صادمة لهذا الحد في أذهاننا؟ لماذا لم يعلمنا أحد إياها في ساعات الفراغ المبذولة في المدارس أو حتى الساعات المملوءة بنظريات عتيقة لم نصادفها في حياتنا البتة! بربكم أدخلوا مادة الفلسفة في مناهجنا من أجل أن تستساغ الحياة ولا تصدمنا في كل ساعة وكل حين!

وأما الفقد فهو شعور يزورك ثقيلاً بكل حالاته، إنما يكون أثقل عندما يأتي بلا استئذان! فقد مر شهران على وفاة ابنة خالتي ذات الثلاثين سنة تقريباً وما زلت أراها، أراها في كل مكان، في كلمات أمي التي نقلت إلينا الخبر: ماتت!! وأذكر أنني سألتها في تلك اللحظة: ماتت ولّا بالمستشفى؟ كان السؤال غبياً تماماً، فلا أحد يخبر أن أحداً مات وهو فقط مريض أو حتى في أقصى حالات اقترابه من الموت!

إنما تطرأ في ذهنك أكثر الأسئلة غباءً عندما لا يبدو الأمر حقيقياً ببساطة، أراها في شباك الطائرة عندما يتوتر الجناح ويشعرك أنك في خطر، أراها في جلسات النساء المليئة في النميمة، والتي تبدو ممتعة لوهلة (لا أخفيكم)، إنما تدك المرء في مكانه، وتعاكس كل أشكال البياض في هذا العالم، ولا يلبث المرء يعود إليها رغم سوئها وكأن تاركها قدّيس ما لا أكثر.

أراها في بكاء ابنتي بين يدي واحتراقي أنها تبكي فحسب! فكيف لأم مثل خالتي بين يديها طيف ابنتها في البيت تحتضنه في لحظات الشوق أو ربما زيارة للقبر سوف تخفف ذلك وانتهى، وكم يصعب أن يرحل الابن قبل الأب رغم صعوبة الحالتين.

أراها في الخطط المستقبلية وحتى في وجبة الطعام القادمة، هل سأحصلها أم لا، فابنة خالتي كانت عائدة من عملها بكل بساطة وداهمتها جلطة على الرئة، ربما كانت تفكر قبل ذلك بدقائق بما ستأكله بعد يوم طويل من العمل.

أراها في غير المنجز والمؤجل من أعمالي من أجل انتظار الوقت المناسب الذي لا يأتي، فقط أصبحت أؤمن أكثر من أي وقت مضى أن أكذوبة "الوقت المناسب" لم تضع الموت في حساباتها، فكيف لها أن تصدف الحياة؟ أراها في كلمات درويش:

رُبَّما هُوَ مثلنا في هذه
الساعات يطوي ظلَّهُ.. لكنَّهُ هُوَ وحده
الشخصُ الذي لم يَبْكِ في هذا الصباح
ولم يَرَ الموت المحلِّقَ فوقنا كالصقر
فالأحياء هم أَبناءُ عَمِّ الموت.. والموتى
نيام هادئون وهادئون وهادئون

وأفكّر مطولاً: لماذا نظن إذا مات أحدهم أننا فلتنا من قبضة الموت.. وأن الميت قد ذهب نحو عذابٍ ما أما نحن فنجونا نحو نعيمٍ ما؟ وأفكر وأنا أناظر الوجوه ومرايا الناس في بيوت العزاء: لماذا يظن كل واحد فينا أنه "غير المعني" الوحيد في الموت؟! وإلا فما هذه التصرفات المستدامة التي تجرنا نحو قعر الحياة من أجل المزيد والمزيد من كل شيء؟ مرّ شهران وما زالت تطبل رأسي كلمة: ماتت!! وكمية "الحسم" التي راودتني عندما جابهتني حينها كصفعةٍ لا يختفي أثرها!

أما الصبر، فذلك ما نحتته الغربة فيّ نحتاً كأنني تمثال عملاق تريد أن تحوله إلى قطعة ألماس صغيرة ونادرة وفريدة.

وأذكر أنني عندما كنت في صغري في أحد النوادي الصيفية كان اسم شعبتي "تصبّر" لتربيتنا على افتعال الصبر وتوخّيه إذا لم نكن نملكه، وأذكر أنني فعلت المستحيل لكي أنتقل إلى شعبة ثانية تحمل اسماً آخر.

كنت أعلم حينها رغم صغري أن الصبر ليس من سماتي القريبة ولا حتى البعيدة، وبقيت أزاحم الصبر لكي يذهب عني إلى أن جاءني رطل كبير وصبّ على رأسي في الغربة.. ما بين مسؤوليات جديدة ومعارف جدد ليس شرطاً أن أحبهم إنما عليَّ مجاملتهم كأنهم الأحب إلى قلبي، ومهارات جديدة كالطبخ والكوي وإنجاز عشر مهمات في ربع ساعة مثلاً.. وغيرها الكثير، أين ذهب المزاج؟ يكاد يختفي المزاج في الغربة يا صديقي، فأنت تحت غطائها مهما ظننت نفسك شخصاً مهما، ستعطيك حجمك فحسب، هذا إن لم تبتر منك جزءاً وتطلب إليك إعادة الترميم!

أما قلة المرونة، فهنا أدق أبواب الأشخاص الكماليين أو التماميين أو "البيرفيكشينستس".. ولا أعني بذلك الأشخاص الذين يبالغون في كل شيء في حياتهم من باب الفذلكة، إنما أعني الأشخاص الذين يلح عليهم ذهنهم وحواسهم وذائقتهم وضمائرهم وسرائرهم أن يفعلوا الأمر بشكله الأكمل وبلا توقف وبأدق التفاصيل، هؤلاء الأشخاص وإياي معهم أقول آسفة.. علينا أن نحزن عليهم كما نستيقظ كل يوم لنحزن على الكثيرين في هذا العالم.

فنحن قوم ندفع الضرائب الأعلى في العالم من قواتنا وأبداننا وأذهاننا، ونحن قوم نعمل كالمحاريث ولا نصل في النهاية إلى نتيجة؛ لأن مخزون الطاقة ينتهي لدينا باكراً، ونحن قوم يفكر الواحد فينا عن عشرة أشخاص "على الفاضي"، لدرجة أن يجلس بجانبك أحدهم ويقول لك: أراك هادئاً اليوم! وأنت تعيش ماراثوناً ذهنياً فظيعاً لا طائل منه، ببساطة لأن أي نتيجة ملموسة لا ترجى منه.

نحن قومٌ يعيب في عالمهم ما يسمى "الخطة البديلة" أو "Plan B"؛ لأننا ببساطة لا نستطيع أن نتحرر من فكرة أن الأشياء تمثلنا ولسنا نمثل أنفسنا بعيداً عن الأشياء ببساطة.

إن كان أحدكم يملك دواءً للأشخاص الكماليين فليكرمني بكبسولة أو فليعطِني ألواناً غير مبريّة تماماً من أجل دفتر التلوين خاصتي، فالكون ببساطة قام على سماء زرقاء وأرض خضراء أو صفراء أو بين بين، فلا داعي للكثير من مزاحمة الألوان؛ لكي يبدو الأمر مبهجاً!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.