المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Toby Roebuck Headshot

ما الذي يجعل الأنثى تقتل؟

تم النشر: تم التحديث:

تضاهي إصلاحية نيومكسيكو للسيدات كل كليشيهات الأفلام بأسوارها المليئة بالأسلاك الشائكة وبواباتها الممغنطة ومبانيها القصيرة التي تظهر من الأفق البعيد عبر حرارة الصحراء المحيطة. عندما وصلنا إلى البوابة الأمامية لم أتمالك نفسي إلا ورعشة من الإثارة سرت في جسدي كله. وبعد جولة من التفتيش الإجباري نتجت عنها مصادرة مطواة صغيرة بحوزتنا، صرنا داخل المنشأة، وعلى وشك أن نسجل أول مقابلة صحفية مع النساء اللواتي ارتكبن جريمة القتل.

بدأ الأمر برمته قبل أربعة أشهر عندما بدأت شركة الإنتاج التي أعمل بها، وهي "وايلد بيكتشر" بمناقشة فيلم جديد عن النساء القاتلات مع القناة الرابعة. وكي يتميز الفيلم في هذه المساحة المتخمة بالبرامج الجيدة، كنا بحاجة إلى ثلاثة أشياء: قصص مثيرة، ومقابلات مع قاتلات في السجن، وخط تحريري متناسق تحت عنوان أو عناوين متوهجة ومثيرة. السؤال الذي كان علينا أن نسأله هو ما الذي يجعل الأنثى تقتل؟

بعد عدة مراسلات كتابية طويلة استطعت الحصول على عشرات المقابلات المصرح بها مع سيدات قاتلات في سجون مختلفة في أرجاء الولايات المتحدة، وهي أوكلاهوما ونيوميكسيكو وتكساس وفلوريدا. كلما تعمقنا أكثر في قصصهن، استطعنا تبيان نمطين مختلفين من القتلة. النمط الأول يضم أولئك اللواتي قتلن نتيجة لعلاقات معقدة تحتوي غالباً على تاريخ من العنف الأسري. النمط الثاني يضم أولئك اللواتي قتلن من أجل المال بعد سلسلة طويلة من عمليات التلاعب، ويطلق عليهن اسم الأرامل السوداوات. رأينا أن بإمكاننا أن ننتج فيلمين، أي أن ننتج فيلماً واحداً لكل نوع من جرائم القتل.

أرادت القناة المستضيفة للفيلم انضمام أحد مخرجيها الموثوقين ضمن فريق العمل، لذا اقترحوا مات بيلي، وهو صانع أفلام موهوب كان آخر أعماله في القناة الرابعة فيلماً صُور في سجن القُصّر في ولاية إنديانا، حيث استطاع التنقيب عن بعض الجوانب الإنسانية والأخلاقية الغامضة بين أكثر الأطفال عطباً وخطورة. كان مات بمثابة الخيار المثالي.

بعد أسبوعين فقط، من أول لقاء بيننا توصلنا أنا ومات إلى خطة عمل تضم أكثر من 100 كيلوغرام من المعدات وجدول تصوير سيتغير مع الوقت. لكن الخطة العامة كانت أن نسجل مع عائلات وأصدقاء السجناء والمقربين من الضحية، قبل الانتقال للتصوير مباشرة مع النزلاء في السجن.

كان عملنا الذي استغرق سبعة أسابيع صادماً ومؤثراً ومنعشا بطريقة ما. استطعنا في 23 فندقاً و15 رحلة جوية مشاهدة التنوع المذهل لأميركا. في أحد الأيام كنا نجد أنفسنا نجري مقابلة مصورة مع بعض سكان أميركا الأصليين الفقراء من الهنود الحمر في نيومكسيكو، ثم في اليوم التالي نجد أنفسنا أمام جراح تجميلي غني في أوكلاهوما، وبعدها مع أم عزباء مكافحة تعمل 16 ساعة في وردية مسائية في فلوريدا.

كلما زاد الوقت الذي قضيناه مع عائلات هؤلاء المتهمات بالقتل تصير نقطة واحدة أكثر وضوحاً، وهي أن حياتهن كانت طبيعية حتى لحظة ارتكابهن الجريمة. على عكس الرجال، ليس لدى معظم هؤلاء النسوة أي تاريخ إجرامي. بدت جرائمهن كأنها لحظات عشوائية من الجنون المفاجئ.

وكلما تعمقنا أكثر فأكثر، وجدنا أن هذه "اللحظات من الجنون" لم تولد من فراغ. استمعنا إلى قصص علاقات عاطفية معقدة وعنف أسري وإسراف في شرب الكحوليات. أخبرتنا إحدى النزيلات، التي أطلقت النار على زوجها بعد تعديه على أطفالها أنها كانت تشعر أنها سجينة طوال حياتها وأنها جاءت هنا لتصير حرة. تدعم الأبحاث قصصهن، فبحسب التقديرات كان 80 في المائة من النساء القاتلات ضحايا للعنف و11 % من جرائم القتل المرتكبة في أميركا من قبل سيدات كان ضحاياها من الأزواج أو أعضاء في الأسرة أو أصدقاء.

كانت أكثر المقابلات تأثيراً مع أطفال تلك النسوة. كان لديهم خلفية ما عن جرائم أمهاتهم، ولكن دون معرفة حقيقية أو واضحة عن هذه الجرائم. تنتظرهم حياة قاسية مليئة بالخزي والذنب والارتباك. يتولى رعاية هؤلاء الأطفال أجدادهم أو أصدقاء مقربون من آبائهم وجدوا أنفسهم في مقام الأبوة مجدداً دون أن يتوقعوا ذلك، وفي ظروف كان من الصعب عليهم تخيلها.

عندما وصلنا إلى السجن كنا قد كوَّنا انطباعات قوية عن هؤلاء النسوة. أعترف إلى حد ما أن هذه الانطباعات تأثرت بالتغطية الإعلامية. ولكن مع دخول كل واحدة منهن إلى غرفة المقابلة كان من الصعب أن نرى فيهن الوحش الذي صورته عناوين الصحف الرئيسية. كُنَّ مرتديات ملابس السجن الفضفاضة، ومطلقات لضحكاتهن ونكاتهن، فظهرن كعاملات تنظيف في منشأة ما وليس قاتلات خطيرات. كُنَّ غالباً ودودات وضاحكات ومسترخيات، وظهر بعضهن من خلف الزجاج مع رقابة صارمة من الحراس. أعطانا أحد الحراس جرساً إلكترونياً في إصلاحية لوويل في فلوريدا، وأخبرنا أن نقرعه في حالة شعورنا بالتهديد. ولكن للأمانة، إنني أشعر بالتهديد في رحلتي الصباحية إلى العمل أكثر مما شعرت به هنا.

أغلبهن لم ينكرن جريمتهن، ولكن أردن شرحها. تركناهن يتحدثن واكتفينا بالاستماع ومحاولة الفهم. تكوّن لدي انطباع أنهن، مثلنا، كُنَّ يحاولن استيعاب أو فهم ما قمن به. تحدثن عن الاختيارات السيئة في الحياة والإدمان والعلاقات المليئة بالعنف والإساءة والصدمات المبكرة، أما بالنسبة للجريمة نفسها فبدا أن معظمهن فقدن قدرتهن على التعامل مع الألم والغضب في تلك اللحظة.

كان الاستثناء من هذه القاعدة سيدتين من النوع الذي يُطلق عليه الأرملة السوداء، أوردنا قصتهما في الحلقة الثانية. كانتا واثقتين من نفسيهما، ولديهما القدرة على التفاعل، وأنكرتا قيامهما بارتكاب الجريمة، وكان من الصعب تحدي طبقات الإنكار الحمائية المتعددة على الرغم من أن "مات" قام بعمل جيد بهذا الخصوص. بدا وكأنهما بلغا حداً في التلاعب والخداع، لدرجة أنهما خدعا نفسيهما. كانت القدرة التي امتلكاها في ليِّ الحقائق هي المعبر الأكبر عن التفاصيل التي حكياها، التي شرحت جرائمها.

ما الذي يجعل الأنثى تقتل؟

للإجابة عن هذا السؤال، أتصور هؤلاء النسوة وهن يجلسن أمامنا في غرفة المقابلة المضيئة، وأفكر فيما كُنَّ عليه في حياتهن السابقة: أمهات وزوجات وزملاء عمل وجيران وأصدقاء. ثم أقول -باستثناء حالات الأرامل السوداء النادرة- إن الحياة هي التي تجعل الأنثى تقتل. إنها الرحلة القاسية والمُنهِكة التي يسميها البعض الحياة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.