المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تيهال فاطمة  Headshot

"زرياب" المجهول عند قومه!

تم النشر: تم التحديث:

عند قراءة التاريخ لا تثق كثيراً فيما تقرأ عن سيرة الأشخاص، فالمؤرخ قد يُقَزِّم كبيراً وقد يُكَبِّر صغيراً، عليك أن تنظر إلى أعمال الشخص، أن تغوص في عمق المعلومات وتتحرى دقة الكتابة وأسلوب الكاتب، ذلك أن في التاريخ -كما في الدعاية- ممكن أن يكون المنتج رديئاً لكن يتم إظهاره بصورة خلابة كي يقتنع الزبون، وأحياناً يكون العكس، فبرغم جودة المنتج، إلا أن الإشهار سيركز على تشويه الجمال وتغطية البريق الحقيقي.

إن من أكثر الشخصيات التي تم تشويهها وتهميشها في تاريخ الأندلس والتي لم تحظ بوزنها الحقيقي هي شخصية زرياب
من هو زرياب؟ هل هو عبقري الموسيقى الأندلسية؟ أم هو سبب سقوط الأندلس؟

هذا الاسم الحاضر في المطاعم والمعاهد الموسيقية وفرق الأوركسترا الأوروبية، الغائب عن عموم العرب، الذين يجهلون اسمه وسيرته وفنه.
زرياب هوسيد الفنون والعيش والأناقة والإتيكيت، الذي لا نعرف عن سيرته وهويته وتأثيره سوى القليل، الرجل الذي ارتقى بالذوق العام وترك أثراً عميقاً في حياة أهل الأندلس، وفي الحضارتين العربية والعالمية.

لقد اختزل العديد من الكٌتاب سيرة زرياب في سطر واحد فقط يتحدث عن مبتكر الوتر الخامس للعود، فيما اتهمه المتزمتون في المساهمة بإسقاط الأندلس، وبين هؤلاء وهؤلاء لم نعرف زرياب الفنان والإنسان الحضاري بأرقى أشكاله، مقارنة بالعلماء الأندلسيين الدين كٌتِب عنها الكثير من الصفحات وسُلطت عليها الأضواء.

زرياب تنقل من بغداد إلى الأندلس حاملاً كل جماليات الحضارة المشرقية، فكان له الفضل في تعليم الأندلسيين آداب الطعام واللباس والكلام والجلوس. ما جعل الأمراء والملوك يتهافتون على تقريبه إليهم.

ففي الأكل كان له الفضل في استعمال الأواني الزجاجية التي تعطي جمالاً للموائد كما يسهل تنظيفها عوض الذهبية التي كان يستخدمها الأندلسيون في موائدهم، هذا إضافة إلى ترتيب الوجبات، فمنذ دخوله الأندلس انتهى نظام الوجبة الواحدة، لأنه أول من قام بتقسيم المأكولات بدءًا بالمقبلات ثم الطبق الرئيسي من حساء أو لحوم ثم ختمها بالفواكه، الترتيب الذي تنقل فيما بعد إلى أوروبا والعالم بأسره.

كما يُنسب إليه بعض أنواع الحلوى التي ابتكرها عندما سافر إلى الأندلس مثل "زلابية" التسمية المأخوذة من زريابية والتي لا تزال من الحلويات الرئيسية في شهر رمضان ببلدان المغرب العربي، ليس هذا وحسب، كان زرياب أول من اقترح استعمال أغطية الموائد المصنوعة من الجلد الناعم.

هذا زيادة على وضع أنماط الألبسة الخاصة بالملوك وأخرى للخدم. كما قام بانتقاء الألبسة على حسب الفصول، فألبسة الصوف للشتاء والألبسة الخفيفة للصيف، بينما كان الأندلسيون قبله يلبسون نفس الأنماط طوال السنة.

أما في الجانب الفني، لم يكن نبوغه عاديًّا، كان قيثارة الحضارة وأسطورة الموسيقى الأندلسية، فكانت بدايته باستعمال آلة عود خفيفة الوزن تختلف عن العود الذي يستعمله أستاذه إسحاق الموصلي في بغداد، ومنذ أن دخل قرطبة انفجرت قدرته الإبداعية، بدأ في تحسين تلك الآلة إلى أن ابتكر الوتر الخامس، ومن ثم فتح مدرسته الفنية التي أعطت للموسيقى الأندلسية طابعاً فريداً متميزاً عن كل الأشكال الموسيقية الأخرى، لتعليم الموهوبين من كل حدب، فتخرج فيها فنانون وملحنون من الأندلس والمغرب وأوروبا.

لتجد اليوم اسم زرياب في مطاعم فاخرة في برشلونة وباريس، ومعاهد موسيقى في العديد من الدول الأوروبية التي حملت اسمه فخراً بما قدمه من جهود إبداعية في المجالين الفني والاجتماعي. أما في بلداننا العربية فزرياب هو المجهول عند قومه، ليس لدينا أدنى معرفة لهذه الشخصية الملمة بالذوق والفن، لا نعرف عنه سوى الوتر الخامس، في حين ذهب المتعصبون والتكفيريون باتهامه في إسقاط الأندلس ذلك أنه كان بارعاً في الموسيقى، فتناسوا سلوكياته المنفردة وذوقه الراقي وأثره العميق في إضافة مظاهر الحضارة والجمال إلى روح الأندلس، وبدأ أعداء الإبداع بمهاجمة فنه وتشويه سيرته.

انهيار الأندلس لم يكن مرهونا بفن زرياب ومدرسته، فالأندلس لم تكن لتسمى بالحضارة لو لم يكن الفن إحدى ركائزها، محله محل الملح للطعام، فالحضارة تُبنى على الفضائل والأخلاق والعلوم والفنون، لكن باختلال الأولويات تنهار الأمم عندما يصبح الاهتمام بالجلسات الطربية والبذخ أولى من الفضائل والعلوم وشؤون العامة .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.