المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ثريا الشيباني Headshot

إذا لم تستحِ فاقتل مَن شئت

تم النشر: تم التحديث:

حين نقبل بالحوار مع القاتل، فنحن لا نكفر بالحياة، بل نقف في صف الحياة ضد الموت، حين نقبل بالحوار مع قاتل، فنحن نخجل من حياة سلبت، وحياة قد تسلب، نوبخ القاتل بعصا الحياة، نعطيه درساً في تقديسها وفرصة جديدة في الإنسانية، ومن يحضر هذا الدرس عليه أن يخر ساجداً للحياة، ولا يقدم للإنسانية سوى الخير، على القاتل أن يؤمن أن الحياة التي وهبه الله، وهو في رحم أمه، قد أهدرت، وهو يحيا الآن بحياة وهبتها له الإنسانية والتسامح، فعليه أن يخلص لهما في حياته الجديدة.

القصاص عقاب عادل يستحقه أي قاتل، لكنه لا يحرم التسامح الذي يهبه المكلوم عن قناعة بأن القصاص لن يعيد له الروح التي فقدها ولو لحظة واحدة، لكن العفو قد يمنح آخرين فرصة البقاء مع بعضهم أكثر.

يحدث أن يجلس الرجل مع غريمه الذي دهس طفله بسيارته ليس احتراماً للموت، إنما اذعاناً لإنقاذ حياة أخرى حين يمعن أن الروح الأغلى قد رحلت إلى غير عودة حتى لو اقتص من قاتلها.

هناك من يبذل جهداً لإنقاذ روح أخرى قد ترحل قصاصاً لا قتلاً، ولكنها قداسة الحياة، يسعى البعض بين قاتل ومفجوع على فلذة كبده، ويرون في ذلك سعياً في الخير.

قد يشفي الاعتذار والكلمة الطيبة والإيمان بالقضاء والقدر قلبَ هذا المفجوع في ولده، في حين يعجز القصاص، ففي ذلك القلب ما زال للحياة شأنها الكبير، ولم يصبح الموت فيه هو سيد القرار بعد، لم تتمكن منه الرغبة في موت كل شيء.

تحضرني هنا قصة قديمة عشتها في طفولتي حين فجعت "أم عماد" بولدها الوحيد الذي قتله أحد رفاقه في المعسكر في ظروف غامضة، ولأسباب لم يعرفها أحد، وحين أصبح القصاص حتمياً فوجئ أهل القرية بـ"أم عماد" تذهب إلى المدينة؛ لتعفو عن القاتل دون أي ضغط، وحين سألها الناس عن سبب عفوها بهذه السهولة، ردت: (معه أُم مثلي)، يا الله كم كانت فجيعة هذه الأم في ولدها كبيرة؛ لترفض أن تذوق فجيعتها حتى والدة غريمها!!
أي حوار تم بداخلها مع حياة أخرى غير حياة حبيبها التي غادرت، ولن تعود وغير حياة قاتله، إنه حوار مع أم ستشهد مقتل ولدها قصاصاً، وستذوق ما ذاقته هي من قهر وألم، الأم التي لم يسبق أن التقت بها ولا تعرف عنها سوى أنها والدة قاتل ولدها! وهبتها حياة تبقى معها في حين لم يعد لها مَن تحيا معه!

بينما تحضرني والدة "سليم" الذي قتل جاره خالد عمداً، فحكم عليه بالسجن سبع سنوات، فما كان من "أم سليم" إلا أن مرت على بيوت الجيران تطلب عروساً لولدها تزفها إليه فور خروجه من السجن بعد سبع سنوات! مما استفز أهل "خالد" في استئناف المحاكمة حتى حصلوا على الحكم بالقصاص لولدهم!

استحت "أم عماد" من أم قاتل ولدها، فكانت الحياة، بينما لم تستحِ "أم سليم" من أم قتيل ولدها فحق الموت! وإذا لم تستحِ فاقتل مَن شئت.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.