المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ثريا الشيباني Headshot

قناعاتي في إسطنبول

تم النشر: تم التحديث:

وصلت إلى إسطنبول في فصل الخريف، كان انطباعي الأول عنها وأنا أسير في شوارعها وأتسوق في مولاتها أو أسواقها أنه لا يوجد أطفال في هذه المدينة، في البداية رجحت أنهم لا يحبذون اصطحاب الأطفال إلى الأماكن العامة، فيبقى الأطفال في المنازل مع وجود أماكن خاصة يمكن أن يخرج الأهل مع أطفالهم فيها، لكن بعد تمعن للحياة في المجمع السكني؛ إذ كنت نادراً ما أصادف طفلاً فتأكدت أن الأتراك يكادون لا ينجبون أطفالاً، هكذا أقنعت نفسي.

يوجد هنا عدد قليل جداً من الأطفال، يفضل الأتراك الحياة بلا أطفال؛ لذا لن يجد أطفالي أصدقاء هنا، فلا أحد يحاول اللعب في الحديقة سواهم، لكن درجة البرودة تجعل محاولاتهم تبوء بالفشل، ثم يعودون إلى الشقة يتذمرون من شدة البرودة في هذا البلد، حتى سطع الربيع تماماً، وخرج الأطفال، رأيتهم في كل مكان في المطاعم والمولات والحدائق يملأون حديقة المجمع السكني، يلعبون طوال النهار، لا يعيدهم إلا البيت، إلا غروب الشمس، لم يعد أطفالي يجدون الفرصة الكافية للعب في حديقة المجمع لكثرة الأطفال، وما عادوا يتذمرون من البرد، لكنهم يتذمرون من تصرفات الأتراك العدائية نحوهم، بينما افترضت أنا افتراضاً أن السبب يعود لفارق اللغة وعدم قدرتهم على الكلام معهم؛ لأنهم لا يجيدون اللغة التركية.

لم أكن متأكدة من جدوى اللغة في تحسين علاقة أطفالي بأقرانهم الأتراك، لكنني أخذت أنا وأبوهم قراراً بضرورة تعلمهم اللغة التركية، وبدأنا نبحث عن البديل الأنسب لتعلمهم اللغة، لم أكن أرغب أن يذهبوا إلى المعاهد الخاصة بتعليم اللغة التركية، فلديَّ قناعة بأن تعليم الأطفال يختلف عن تعليم الكبار، رأينا أن نحضر مدرساً للبيت ونتعلم معاً، عندما سألت المعلم عما إذا كان يرى أن تعليم الأطفال يختلف عن تعليم الكبار، لم تكن إجابته مشجعة، فألغيت فكرة الاستمرار في إعطائه دروس للأولاد وبقيت محتارة إلى أن تدخلت الصدفة لتحسم الأمر.


في المبنى المقابل، تسكن معلمة أطفال، التقى بها زوجي، وهي تحمل أكياساً ثقيلة، فعرض عليها المساعدة، ولحسن الحظ أنها تعرف الإنكليزية، تكلما معاً فشرح لها حاجتنا إلى مدرس يعلم الأطفال اللغة التركية، أعطته رقمها، وعرضت عليه أن تقوم بمساعدتنا، لم أتحمس كثيراً، لكني تواصلت معها فطلبت منّي أن أزورها، زرتها وكانت المرة الأولى التي أتمكن من الكلام مع تركي، إنها بمثابة هدية كبيرة أن تجد هنا مَن يتكلم معك الإنكليزية، طرحت عليها فكرة أن لتعليم الأطفال طريقة مختلفة عن تعليم الكبار، سواء في اللغة أو أي شيء آخر، شرحت لها قناعتي أن الأطفال يملون التلقين، ويفضلون التعليم بالفنون، مثل الأغاني، والحكاية، والرسم، والرقص، وافقتني الرأي تماماً، لكنها صارحتني بأنها لم تجرب هذا من قبل وتريد أن تحاول، حاولت وتفوقت، وفي كل درس تبحث عن الأغاني المناسبة، ترسم لهم وتتركهم يلونون الرسوم كيفما يشاءون، ثم تبدأ بشرح الدرس وسط رسوم ملونة بألوان مبهجة، وهكذا كان المرح يستغرق وقتاً أكثر من الدرس، حتى بدأت أقلق بشأن تحصيلهم الدراسي، وظننت أن المعلمة قد تمادت في فكرة التعليم بالفنون، لكن النتيجة كانت مبهرة، تكلم أطفالي التركية في أقل من شهرين، وأصبح لهم أصدقاء يلعبون معهم في حديقة المجمع دون تذمر من تصرفاتهم، حتى إن ابني قال لي في أحد الأيام: "لقد تعلم الأتراك الكلام يا أمي".

عاد الخريف وبعده الشتاء واختفى الأطفال ثانية، لكني حينها أدركت أنهم في حالة بيات، ومحوت كل تخرصاتي بشأن عدم رغبة الأتراك في إنجاب الأطفال، فما أكثر ما نبني قناعاتنا على معطيات نلمسها على أرض الواقع إلا أنها خاطئة تماماً.

فقناعتي بعدم رغبة الأتراك في الإنجاب كانت أكبر من قناعتي بجدوى تعلم اللغة التركية على نفسية أطفالي، وتحسن علاقتهم مع الأطفال الأتراك، ومع ذلك أصابت قناعتي الصغيرة، وأخطأت قناعتي الكبيرة، لكن قناعتي الأخيرة بجدوى تعليم الأطفال بالفنون كانت صائبة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.