المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ثريا الشيباني Headshot

أطالبُ بحقي كامرأة أمام الملأ لكني لا أستطيع أمام زوجي

تم النشر: تم التحديث:

"على طبق صيني حملت لكِ المجد، سأمنحك فرصة لتُثبتي بها وجودك أيتها الزوجة المطيعة والأم الرؤوم".. هكذا استهلت صديقة العمر حديثها بأسلوب أكثر تودُّداً هذه المرة وإن كان يحمل من السخرية ما يطابق ما تقذفه دوماً شفتاها المدججتان بالتهكم من وضعي الموغل في العبودية، كما تصف.

بسلمية الكؤوس والأطباق المتنوعة، أردُّ على قمعها لاستيعاب رغبتي في ترك العمل الحقوقي خارج منزلي والالتفات إلى حقوق المواطنين في وطني الصغير، وإن كانت تراه هي معتقلاً فأنا أراه الفردوس الذي طالما تمنيت الخلود فيه. أعترف بجرم الرومانسية الذي تدينني به كلما التقينا وأستسلم لعقوبة السخرية بابتسامة أصمّ في وجه من يوبّخه.

نعم، أنا المخلوق الأكثر رومانسية في هذا الكون، وبإمكاني أن أحيا رهينة كلمة جميلة أو وعدٍ وردي، فهل تراها اليوم تحمل لي بشرى حصولي على جائزة بطلة الرومانسية لهذا العام؟ فكم أغرتني بجائزة حقوقية مقابل استئناف العمل في منظمتها المتبنّية لحقوق المرأة وكأن الرجل يرفل في نعيم الحقوق!

وبعد أن اكتسحت الأطباق وسجلت نصراً مؤزَّراً بمهارتي في فن الطهو التي تعجز عن إنكارها، التفتتْ نحوي لتخبرني بأن منظمتها بصدد المشاركة في مؤتمر عن "العنف ضد المرأة" في جمهورية الصين الشعبية وتريد مني أن أذهب للمشاركة فيه لانشغالها بحضور مؤتمر آخر في باريس عن "المشاركة السياسية للمرأة". اعتذرت عن المشاركة، وترتب على هذا الاعتذار عنف غير مسبوقٍ، حلّ بكل ما حولها من وسائد وجهازها الجوال وجهاز التحكم في التلفاز، ونهضت من فورها وقررت الرحيل دون عودة في حال تمسكت برفضي حضور المؤتمر ومنحتني يومين للتفكير ملياً في الأمر.

تلقيت غضبها بقلق شديد من قدرتها على قيادة السيارة وهي بهذا الغضب وطلبت منها ألا تغادر حتى تهدأ تماماً، ووعدتها بأن أفكر في الموضوع.

عدتُ لأعتذر لأرجاء المنزل عما حل به من فوضى وأنا أفكر في قبول فكرة المشاركة هذه المرة في حال وافقت والدتي على أن تبقى مع أطفالي في فترة سفري هذه. ولا أظن أنها سترفض.

وضعت لصغاري العشاء وأنا في خضمّ التفكير عما يمكن أن أطرحه من قضايا في هذا المؤتمر رغم ضعف إيماني بأن الرجل هو العدو الأول للمرأة، فأنا أرى أن المرأة هي عدو ونصير نفسها، وهذا ما لا تتفق معي فيه أغلب النساء.

هذه نغمة رسائل جوالي تبادر في منحي استراحة مفكر لأقرأ رسالة اعتذار مسبق من زوجي عن مشاركته لي في تناول العشاء لانشغاله بعمل طارئ. قلّبت جهازي وحلّقت في ذكرياتي مع رسائلي الورقية وتذكرت كيف كان أنفي يغور في كل رسالة يشتمّ فيها عبير عطره وأريج عرقه، وكم من الليالي تلحف وجهي بالرسالة، فأستيقظ مذعورة في وقت متأخر من الليل؛ خشية أن تكون إحدى أخواتي قد رأت الرسالة وقرأت محتواها. أدركت حينها أن رسائلي اليوم بلا رائحة، فما إن أنتهي من قراءتها وأقبّل شاشة تعزلني عن خط ليس لزوجي حتى أضع الجهاز الوسيط جانباً دون أي امتنان.

تأملت جوالي كغريم فوجدته صُنِع في الصين وكذلك الكمبيوتر المحمول فامتعضت وخاطبت رئتي الغاضبة: هي التكنولوجيا والصين إذاً! فماذا أنت صانعة؟ التهمت رئتي كل الهواء المحيط بي في نهم لتغرق في سباتها كشعب تعثّر بثورة فأماطها وأنجر طاغية جديد.

على طاولة مستديرة أستمع لشكوى نون النسوة، لا جديد، فكل واحدة تنتظر دورها لتعيد صياغة ما سمعته من سابقاتها، أما أنا فأنتظر لأضع قضيتي وحدي التي لم يتطرق إليها أحد، وها هو دوري يتأخر لأزداد غضباً، فما إن أتأكد أن بإمكاني الحديث حتى أنهال بعبارات اللوم والاتهام على الدولة المضيفة: أنتم أيها المضيفون هنا تدّعون رغبتكم في استعادة ما نُهب منا من حقوق، فهل لكم أن تعيدوا إلي أنفاس رسائلي المنهوبة من طاغية التكنولوجيا، فأنا أنثى تتنفس رذاذ الأحرف فارفعوا عن كاهلي أحرفكم الميتة.

لم يعِ أحد قولي وتزاحمتْ حولي القهقهات، كأن القاعة لم تعد تتسع لنا معاً فدفعتني للخارج يعتصرني الندم لقبولي المشاركة، وغدوت أنثى، من عطش تتلفت حولها علّها تحظى بكأس ماء لا طعم له ولا لون ولا رائحة، وإذا باليد الأغلى تمدني بكأس الماء وتوشوشني بحنان: عزيزتي.. لماذا أنت نائمة هنا؟ وما هو الكابوس الذي جعلك تلهثين هكذا؟!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.