المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

توماس فريدمان Headshot

الشبكات الاجتماعية: أدوات تدمير أم ابتكار؟

تم النشر: تم التحديث:

على مدار السنوات القليلة الماضية، واجهنا العديد من "ثورات الفيسبوك" بدءاً بالربيع العربي مروراً بـ "احتلوا وول ستريت " إلى ميادين اسطنبول وكييف وهونج كونج، والتي أشعلتها جميعاً الشبكات الاجتماعية. ومع ذلك، بمجرد انقشاع الدخان، أخفقت معظم تلك الثورات في بناء أي نظام سياسي مستدام؛ ويرجع ذلك بصفة جزئية إلى انعدام إمكانية تحقيق أي اتفاق في الرأي مع ظهور العديد من الأصوات وارتفاعها.

السؤال: هل يتضح أن الشبكات الاجتماعية تحقق نجاحاً أكبر في تحطيم الأشياء، لا في صنعها؟

أجاب أحد الأصوات أخيراً على هذا التساؤل بالإيجاب. وكان ذلك الصوت هو صوت وائل غنيم، الموظف المصري بموقع غوغل الإلكتروني الذي ساعدت صفحته الخاصة على موقع فيسبوك في اندلاع ثورة ميدان التحرير في أوائل عام 2011 والتي أطاحت بالرئيس حسني مبارك - ولكنها أخفقت بعد ذلك في العثور على بديل ديمقراطي حقيقي.

ففي ديسمبر/كانون الأول، نشر وائل غنيم الذي انتقل للعمل في وادي السيليكون، حديثاً يستحق المشاهدة حول الأخطاء التي حدثت. يبدأ الحديث كالتالي:

"قلت ذات يوم إذا كنت تود تحرير مجتمع، فكل ما تحتاج إليه هو شبكة الإنترنت" وكم كنت مخطئاً. قلت هذه الكلمات عام 2011 حينما ساعدت صفحة فيسبوك التي أنشأتها على اندلاع الثورة المصرية. وكشف الربيع العربي الإمكانات الهائلة للشبكات الاجتماعية، ولكنه فضح أيضاً عيوبها الفظيعة. فإن نفس الأداة التي وحدتنا سويا للإطاحة بالدكتاتوريات هي التي مزقت عرانا".

وأوضح غنيم أن العرب كانوا يلجأون إلى شبكة الإنترنت في أوائل العقد الأول من الألفية الثالثة "متعطشين إلى المعرفة وإلى الفرص وإلى التواصل مع الآخرين حول العالم؛ لقد فررنا من واقعنا السياسي المحبط وعشنا حياة افتراضية بديلة".

وأشار أنه في يونيو/حزيران 2010 "غيرت شبكة الإنترنت حياتي للأبد. فبينما كنت اتصفح فيسبوك، رأيت صورة... لجثة مواطن مصري شاب تعرض للتعذيب. كان اسمه خالد سعيد. وكان خالد مواطناً من الأسكندرية يبلغ من العمر 29 عاماً وقد لقي حتفه على يد الشرطة. رأيت نفسي في صورته... فعمدت إلى إنشاء صفحة فيسبوك مجهولة الهوية وأسميتها "كلنا خالد سعيد". وخلال 3 أيام فقط، اشترك بالصفحة أكثر من 100 ألف مواطن مصري كان لديهم نفس الاهتمام".

وسرعان ما استخدم غنيم وأصدقائه فيسبوك في حشد الأفكار وأصبحت "صفحة فيسبوك تلك أكثر الصفحات متابعة في العالم العربي... كانت الشبكات الاجتماعية هامة في هذه الحملة. فقد ساعدت على نشأة حركة لامركزية وجعلت الناس يدركون أنهم ليسوا بمفردهم وأن من المستحيل أن يتمكن النظام الحاكم من منعها".

بعدها تعقب الأمن المصري وائل غنيم في القاهرة وقام بالاعتداء عليه وتعذيبه وحبسه انفرادياً لـ11 يوماً، ثم بعد 3 أيام من فك أسره قام الملايين من المحتجين الذين جمعتهم مشاركات غنيم على فيسبوك بالإطاحة بنظام مبارك.

لكن واأسفاه، طارت السكرة في رأي غنيم واستفاق الكل "لأننا فشلنا في التوصل لإجماع، كما أن الصراعات السياسية أدت إلى انقسام شديد" وأضاف أن الشبكات الاجتماعية لم تفلح إلا في"تعميق الانقسام" وذلك "بتيسير نشر المعلومات المغلوطة والإشاعات وشحن الناس ونشر خطاب الكراهية. كانت بيئة مسمومة تماماً، كما غدا عالمي على الإنترنت أرض معركة ملؤها القذع والكذب والبغض والكراهية."

استخدم كل من مؤيدي الجيش والإسلاميين الشبكات الاجتماعية ليكيلوا الاتهامات وحملات التشويه لبعضهم البعض، بينما جرى تهميش الوسطيين الديموقراطيين الذي كان غنيم وآخرون ينتمون إليه.
ثورتهم سرقها الإخوان المسلمون أولاً ثم الجيش عندما فشلت الثورة، بعدها بدأ الجيش بإلقاء القبض على العديد من الشباب العلماني الذي حرّك الثورة في بدايتها. وللجيش صفحته الخاصة على فيسبوك ليدافع عن نفسه وموقفه.

يقول غنيم "كانت لحظة هزيمة، بقيت صامتاً أكثر من عامين، قضيتهما في تأمل كل الأحداث التي جرت."

وهذه كانت استنتاجاته التي توصل إليها في الحكم على الشبكات الاجتماعية في يومنا هذا:

"أولاً، نحن لا نعرف كيف نتعامل مع الإشاعات، فالإشاعات التي تصب في هوى الناس تُصَدّق وتنتشر بين الملايين منهم." ثانياً "نميل إلى التواصل مع أناس يؤيدوننا، وبفضل الشبكات الاجتماعية صار بإمكاننا تخريس صوت الآخرين والتوقف عن متابعتهم وحظرهم. ثالثاً، نقاشات الإنترنت سرعان ما تصبح سجالاً بين غوغاء غاضبين، وكأننا ننسى أن المستخدمين الجالسين وراء الشاشات هم بشر حقيقيون وليسوا مجرد صور أيقونية صغيرة."

"رابعاً، غدا من الصعب علينا تغيير آرائنا، فبسبب سرعة واختصار التواصل الاجتماعي صرنا مجبرين على القفز لاستنتاجات وكتابة آراء لاذعة بحدود 140 حرفاً حول القضايا العالمية المعقدة. وعندما نفعل ذلك، تظل هذه [الآراء] حية إلى الأبد على الإنترنت."

خامساً، وربما هو الأهم، قال غنيم "اليوم باتت تجربتنا على التواصل الاجتماعي مصممة بطريقة تولي النشر [نشر الخبر وإذاعته] أهمية وأولوية فوق التفاعل الواقعي، والمشاركات على الإنترنت أهمية فوق النقاشات، والتعليقات السطحية أهمية فوق الحوار المعمق...كأننا متفقون على الردح والتراشق بالكلام بدلاً من الحوار سوية."

لكن غنيم لم يستسلم، فقام مع مجموعة أصدقاء بإنشاء موقع اسمه Parlio.com يستضيف حوارات فكرية مدنية حول القضايا الساخنة المثيرة للجدل بهدف تقريب المسافات و ردم الهوة لاتعميقها (وقد شاركت أنا شخصياً في مناظرة على موقع بارليو ووجدت الموقع مثرياً وبناء.)

وختم غنيم بقوله "قبل 5 سنوات قلت " إذا كنت تود تحرير مجتمع، فكل ما تحتاج إليه هو شبكة الإنترنت " لكن اليوم أرى أننا إن أردنا تحرير الشعب فعلينا أولاً تحرير الإنترنت."

هذه المادة مترجمة عن صحيفة New York Times للاطلاع على المادة اضغط هنا.