المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زهرة تبات Headshot

التخاطر بين الحقيقة والخيال

تم النشر: تم التحديث:

"كنت سأقول نفس الكلام الذي قلته"، "سبحان الله لم أحب هذا الشخص بالرغم أني لا أعرفه"، "أشعر أن أخي سيأتي مساءً ليزورنا"، "لا أعلم، لمَ أقوم بهذا الشيء وكأن أحداً يخبرني أن أقوم به؟!".

هل سبق أن قلتم أو سمعتم هذه العبارات؟
إذا كانت الإجابة بنعم فأهلاً بكم في عالم التخاطر.

وحتى نقرب الصورة فإن التخاطر مصطلح قديم جديد وظاهرة معروفة في الباراسيكولوجيا أكثر باسم الـ Telepathy "تيليباثي" صاغه فريديريك مايرز العام 1882 ويشير إلى المقدرة على التواصل ونقل المعلومات من إنسان إلى آخر.

كلمة Telepathy هي كلمة من مقطعين تعود من أصل يوناني بمعنى التأثير عن بعد ولعل سبب التسمية يرجع لشيء عجيب في هذه الظاهرة وهو أنها لا تخضع لقانون التربيع العكسي، مما يؤكد أنها ظاهرة غير مادية!
كيف ذلك ولماذا؟

حسن، معروف أن أي ظاهرة مادية لا بد أن تخضع لقانون التربيع العكسي (و هو قانون نيوتن الشهير الذي يقول إن : بين كل جسمين ماديين قوة تجاذب، أي أن كل منهما يجذب صاحبه، ويتناسبان طرديًّا مع كتلتيهما وعكسيًّا مع مربع البعد بينهما).

لو كان هذا القانون يسير على ظاهرة "التيليباثي" إذا لاستنتجنا بكل سرعة وسهولة أن هذه الظاهرة مادية من مفاعيل الدماغ.
في الحقيقة العكس هو الصحيح!

قيل إنه كلما كانت المسافة قريبة بين المتخاطرين، فإن التيليباثي لا يشتغل جيداً، أما إذا صارت بعيدة، كأن تعيش في بلد وقريب لك في بلد آخر، فإنها تعمل جيداً.
تحد أليس كذلك!
وهذا إرشاد بالحجة البالغة أن التخاطر ظاهرة لا مادية لا تخضع لقانون التربيع العكسي..
من أطرف ما أطلق من تسميات عن التخاطر أنه بلوتوث القلوب، لكن الجدي في الأمر أنه كان يعمل جيداً خصوصاً في العصور القديمة، حيث كان البشر الأوائل يستخدمون هذه الطريقة للتواصل والاتصال فيما بينهم لكن بشر اليوم أهملوه فكان لا بد أن يندثر ويصبح من يتمتع به شخص مختلف له قدرات خاصة!

إذن، وسط كل هذا الزخم هل التخاطر حقيقة أم مجرد خيال؟!

رويت قصة عن شخصين.
يجلس أحدها فيقول أخي صالح إن شاء الله قرر أن يأتينا زيارة غداً وفي حدود الساعة "كذا" يكون لدينا!
قيل له: كيف عرفت؟
فيقول: هو الآن ينوي هذا ويحدث أهله به
العجيب أنه بعد مضي اليوم وفي ذات التوقيت الذي حدده الرجل يأتي أخوه صالح!
هذا هو التخاطر.
قد يوجد بينكم الآن من يقول إن القصة قد تكون غير صحيحة!
إذن ماذا عن قصة سيدنا عمر مع سارية بن زنيم رضي الله عنهم وأرضاهم جميعاً.
الحادثة المعروفة باسم "يا سارية الجبل": هي حادثة تاريخية عن القدرة على التخاطر حصلت للصحابي سارية بن زنيم الدؤلي الكناني ببلاد فارس في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
تفاصيل الحادثة أن سارية بن زنيم كان أحد قادة جيوش المسلمين في فتوحات بلاد الفرس سنة 645 م/23هـ، وبينما كان يقاتل المشركين على أبواب نهاوند في بلاد الفرس تكاثر عليه الأعداء. وفي نفس اليوم، كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآلة وسلم) في المدينة، فإذا بعمر (رضي الله عنه) ينادي بأعلى صوته أثناء خطبته: "يا سارية الجبل، الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم".

وبعد انتهاء الخطبة تقدم الناس نحو عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وسألوه عن هذا الكلام فقال: "والله ما ألقيت له بالاً، شيءٌ أتى على لساني".

ثم قالوا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وكان حاضراً: "ما هذا الذي يقوله أمير المؤمنين؟ وأين سارية منّا الآن؟"

فقال: "ويحكم! دعوا عمراً فإنه ما دخل في أمر إلا خرج منه".

ثم ما لبث أن تبينت القصة فيما بعد، فقد قدم سارية على عمر في المدينة فقال: "يا أمير المؤمنين، تكاثر العدو على جنود المسلمين وأصبحنا في خطر عظيم، فسمعت صوتاً ينادي: "يا سارية الجبل، الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم".

عندئذ التجأت بأصحابي إلى سفح جبل واتخذت ذروته درءاً لنا يحمي مؤخرة الجيش، وواجهنا الفرس من جهة واحدة، فما كانت إلا ساعة حتى فتح الله علينا وانتصرنا عليهم"..

ما وقع في هذه الحادثة أكبر من ظاهرة التخاطر هذا تسامع.. بقدرة عظيمة من الله جل وعلا!
فهل لا يزال التخاطر بيانا؟

كيف يكون كذلك وسبحانه قد قال في كتابه الكريم: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون"، وتعالى سبحانه أن يخلق شيئا عبثاً..
آية تذكر برحمة الله عليه الإمام الأشعري الذي قال "إن الله تبارك وتعالى قادر على أن يسمع أطرش قرطبة طنين بعوضة مراكش"!
إذن التخاطر منحة ربانية وواحدة من الظواهر الروحية العجيبة التي لا تفسير لها إلى الآن!

المعروف عنها أنها هبة من الخالق وقدرة إنسانية خارقة روحية المصدر قد تكتسب وتتطور من خلال التدريب والتعلم.

يبقى السؤال الآن: هل بدأت هذه العلوم تتوثق علمياً؟!

الإجابة: نعم، ففي الآونة الأخيرة هنالك بعض العلماء انتدبوا أنفسهم وغامروا بسمعتهم العلمية وأعادوا اختبار هذه الظواهر علميًّا وفق أحدث المناهج العلمية والآن هي ظواهر ثبت توثيقها والدليل أنها اليوم شائعة الاستخدام في أفلام الخيال العلمي والعلوم الحديثة ناهيك عن أنها الأساس في تقنية التصوير العصبي الذي مكن من قراءة الأفكار داخل المخ.. وكذا انتشار عيادات العلاج بالتخاطر والذي يعد نوعا من علاجات الطاقة..

مما لا شك فيه أن للظاهرة ناقدين وحجتهم أنها لا تمتلك نتائج متكررة ناجحة عندما تطبق في بحوث متعددة، دوامة التخاطر عملاقة جدا والحديث عن حقيقتها من بيانها يقودنا إلى أسئلة كثيرة من بينها:

- هل يا ترى ما يحدث من اضطرابات وأزمات في عالمنا العربي سببه تخاطر أناس يحبون رؤيتنا متفرقين؟!
حسنٌ، كل شيء ممكن!

وبعيداً عن هكذا معضلات فلسفية قد لا يتمكن البشر من حلها ولا تفسيرها حتى كحقيقة التخاطر من عدمها ورجوعاً إلى نهجنا القويم وصراطنا المستقيم ما ملكت من القول سوى أننا حقًّا ما أوتينا من العلم إلا قليلاً قليلاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.