المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تيسير الطرابلسي Headshot

شعلة الحياة تكسر هلام الوهم

تم النشر: تم التحديث:

فضاءات تعبيرية لا يخلو عالمنا المعاصر منها.. فيسبوك تويتر والقائمة تطول وتطول إذا ما أردنا عدّ هذه العوالم الافتراضية. سهّلت عملية التواصل وجعلت العالم أصغر فأصغر من تقريب مسافات بعيدة، ولكنّها في نفس الوقت عوالم افتراضية إن لم تدمر فهي تسحق، وإن لم تسحق فهي تصيب بشظايا مخلّفة جروحا فندوبا.

عوالم نختفي فيها وراء كلمات على اختلافها، منها الصادق ومنها المزيف العابق برائحة الكذب. وما أكثر الروائح الكاذبة, روائح تزكم نفسك حدّ الاختناق.

أغلب الحوارات في العوالم الزرقاء (فيسبوك وتويتر) عقيمة, تصاحبها تلك الوجوه التعبيرية الباردة. لا تعرف إن كان الذي تحاوره يتحدث بهدوء أو بانفعال. غالباً ما يكون تأثير الكلمات التي نقرأها الاستشاطة غضباً أو اللامبالاة العارمة. والكذب والكذب ثم الكذب, لا شيء غير الكذب, يصبح ذلك أمراً عادياً، خاصة إن أهملت قراءة رسالة فلان أو علان وأردت النجاة بفعلتك فتحلف أيماناً مغلظة أنك لم تنتبه للرسالة وأنت في عملية استبلاه منمقة ومزخرفة. تزيد الطين بلّة إذا ما اكتُشف أمرك وزلّ لسانك بالحقيقة.

لابد من انفجار يعيد الإنسان لإنسانيته. لعالم حقيقي بهت لونه بسبب الافتراضي. بأشياء حقيقية تعوّدنا أن نفعلها أقلّها التواصل بشكل حقيقيّ مع البشر كالفرح بألوانه الواقعية لا بابتسامة صفراء و"لايك" مستفزة.

يجب حدوث ثورة لاستعادة ما فُقِدَ. ثورةٌ تعيدُ المشاعر الحقيقية لوضعها الطبيعي, يستعيد فيها البكاء صدقه والحزن شجنه والبسمة صفاءها.

غادر المكان حالاً, أنت الافتراضي، احمل أشلاء ذكرياتك وغادر فوراً, لا حاجة لي بك بعد الآن.. لا أريد أن أرى ذرة من وجهك بعد الآن, لم أرَ إلا الخراب بحضورك.

قلتها بازدراء مقيت تملكني رغبة مني في تفجير شيء ما أمامي, تمالكت نفسي أو حاولت, ذلك الألم اللعين الذي لم يغادرني قط, شعور بغثيان مقدّس. دوار لم يكف عن هز رأسي الثقيل ونجوم تتلألأ أمام عيني في عز النهار.

انبعاثات الكره لم تتوقف من التدفق في شراييني, لستُ من الذين يكرهون بسرعة, خلتُ نفسي من الذين يتناسون ويسامحون بسذاجة, أهو الانتقام؟ لا أدري إن كان كذلك أم لا.

طردتهم شر طردة وأقسمت أن لا أعود وأخضع لهم بكلامهم المسموم. تركت مساحة جديدة لمرحي وتقلبات مزاجي.. سكوتي وهدوئي في عالم بعيد عن الزيف.

حالة من التخبط تلفني وتهزني في أعماقي, بعد أعوام من التيه في العوالم الافتراضية. أدرك إثرها نمطية الانفعلات وقولبتها الجاهزة في نفوسنا.

نحب التصور الذي نرسمه في أذهاننا ويستحيل الإدراك الفعلي للمعنى الغائب وسط الزيف.

الأشخاص في هذا العالم الزائف، كما ذكر واسني الأعرج في روايته مملكة الفراشة، "مجرد لغة مثل حفنة ثلج, تحسها, ولكنك لن تشكل بها شيئاً أيّ شيء تريده, لأنها تذوب بسرعة حتى قبل أن تدرك استحالة استمرارها". هذه "مملكة زوكر بيرغ الزرقاء، تتشكل الأوهام فيها تباعاً وتتلاشى على صخور الواقع المرير.

مجرد التفكير في الانسحاب نهائياً من هذه الدوامة الافتراضية سيكلف غربة قاسية حقيقية. تنهار فجأة كل الأشياء الحقيقية في حضرة الافتراضي.

ولا تعود تصوراتنا كما كانت قبل التوغل المادي في هذه "المملكة الزرقاء". يظل اللايقين مرتبطاً بذكرياتنا وبمستقبلنا. وتتكرر صور السراب كجزء من الحقيقة اليومية التي تنغرس في نفوسنا يوماً بعد يوم.. يستحيل حينئذ الرجوع كما كنا قبل إدماننا هذه العوالم الوهمية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.