المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

الطيب محمد صياد Headshot

خرابُ المَوْصِل.. خرابُ مكَّةَ

تم النشر: تم التحديث:

عن يعلى بن عطاء العامري عن أبيه قال: كنتُ جالساً عند ابن عمر مع أبي ننظر إلى البيت (الكعبة) فقال: يا عطاء، كيف أنتم إذا هدمتموه؟ قلتُ: من يفعله؟! قال: أنتم، قلتُ: ونحن يومئذ على الإسلام؟! قال: نعم، يُبنى فيكون أحسنَ ما يكون، ويعلو البُنيانُ على رؤوس الجبال، فإذا رأيتَ ذلك فقد أظَلَّكَ الأمر.

هذا الخبر رواه الإمام المقرِئ أبو عَمْرو الدانيُّ الأندلسيُّ (ت: 444هـ) في كتابه العظيم "السُنَن الواردة في الفِتَن" (ص: 895، طبعة: دار العاصمة بالرياض)، ثم روى أخباراً مُشابِهةً له في كتابه هذا تحت بابٍ عَنْوَنَهُ بـ"ما جاء في خراب مكة".

في الوهلة الأولى، قد يفاجأ القارئ بهذا العنوان المُخيف ويستنكرُهُ ويظُنُّ أنه مجرد "كِذبةٍ" من أساطير الإخباريِّين والقصَّاصين الذين راجت هوايتهم في عصور الضعف والانحطاط الذي أصاب المجتمعات الإسلامية قديماً، خاصَّةً حين يسمع أن كبار علماء النقد الحديثي قد حكموا على هذه الروايات -غالباً- بالبطلان من منظور إسناديٍّ بَحْت.

ولذا سوف يطمئنُّ على أطهر بقعةٍ مقدَّسة لدى المسلمين، وهو يرى الإمكانات المادية والمعنوية التي توفرها السلطات السعودية لحماية وتأمين زُوَّار بيت الله الحرام، كل ذلك سيكون باعثاً على استنكار هذه المرويَّات التي ربَّما وضعتْها الحركات الباطنية في التراث العربي والإسلامي لإحداث الهَلَع والخوف في قلوب الناس، لكن ذلك غيرُ دقيقٍ بالمرَّة.

قبل أي شيء، يجب أن نتوفَّرَ على أدوات علمية للبحث من أجل الوصول إلى حكمٍ سليم، فالعواطف والفوضى الفكرية والتحليلية ستؤدِّي حتماً إلى نتائجَ وخيمةٍ من حيثُ كونها متناقضةً مع الواقع ولأنها مجرَّد تخدير يجعلنا نتغافل عن المآسي المُحيطة بنا، هذه الأدوات يمكن أن أُوجِزَها فيما يلي:

• النظر الشرعي الصحيح، وينبني على المُكنة الراسخة لأدوات "التفقُّه"؛ وهي: علوم اللغة العربية ونقد المرويَّات والتفكير المنطقي.

• تشرُّب "فقه التاريخ"، فالتاريخ يحتاج "فقيهاً" واعياً بالسنن الكونية والطبيعية ومعرفة كيف تتطوَّرُ الشعوب وما هي محدِّدات هذا التطور سواءٌ كان تصاعديّاً أم تنازليّاً، وهذه الأداة تتطلَّب إدراكاً كبيراً بمجموعة من العلوم الإنسانية كفروع علم الاجتماع وعلم النفس وغيرهما.

• الوعي بحقيقة المنظومة المتحكِّمة في العالَم، وحين أقول "منظومة" أقصد تلك الفسيفساء التي تتشكَّلُ من قِطَعٍ متعددة جداً، أهمُّها المال والسلاح والدين والأيديولوجيَّات، فلا يعني أن أي حامل شهادة جامعية بالعلوم السياسية هو بارعٌ في الوصول إلى حقيقة هذه المنظومة المعقَّدة.

قد يتساءل قُرَّاء تدوينتي عن علاقة هذه الأمور بروايةٍ أوردَها رجلٌ سكن الأندلس وتوفِّيَ هنالك منذ قرابة 1000 عامٍ! أقول: هو تساؤل مشروع إلى حدٍّ ما، ولكن الإجابة عنه ستكشِفُ فظاعة ما نحن عليه من واقعٍ مَرير.

أكتب هذا في أيام تشهد "معركة الموصل" أيامها الأخيرة، أكتب هذا وأنا أقرأ تقرير الأمم المتحدة عن الدمار الكبير الذي لحِق هذه المدينة التاريخية العريقة، أكثر من 20 حيّاً من أحيائها دُمِّرت بالكامل، وباقي الأحياء تعرَّضت للخراب بصفة جزئيَّة.

والحصيلة أنه لا وجود لـ"الموصل" التي نعرفها، هي الآن مدينة أشباحٍ بعدما غادرها أهلها ولم يبقَ فيها إلا قليلٌ منهم، هؤلاء القليل محاصَرون بين جنود الخلافة الذين يبدو أن وظيفتهم هي استيطان المدن الإسلامية الكبرى تمهيداً لتخريبها، وميليشيَّات شيعيَّةٍ تعترف بوظيفتها المقدَّسة؛ وهي محاربة أبناء يزيد بن معاوية -كما تصفهم.

وسواءٌ كان أبناء يزيدَ يعرفون يزيد أم لا، وسواءٌ كانوا يكرهونه أم لا.. فلا فرقَ عند "عصائب أهل الحق" بين هؤلاء فهم يستحقُّون التقتيل والتشريد وتستحقُّ بيوتهم ومساجدهم التدمير، يحدث هذا باسم "الرسول الأعظم"، الذي اتَّضح أنه الذراع اليمنى لـ"الشيطان الأكبر" بقيادة أميركا، ودون أن أستعرض تفاصيل هذه الجريمة التاريخية العظمى التي تتوغَّلُ جذورها في تراب طهران والخليج العربي وتضرب فروعها في قلب العالمي المسيحي باريس وروما ولندن حتى تمتدَّ إلى عاصمة النظام العالمي واشنطن والتي تصدُرُ قراراتها من أرضٍ عربية محتلَّةٍ هي الآن عاصمة الكيان الصهيوني المعترَف به عربيّاً وعالميّاً !

ما أحكيه ليس قصة فيلم رعب شاهدتُّهُ، إنما هو واقعٌ يضرب بخنجره المسموم في قلوب الثكالى واليتامى ليخطف منهم حياتهم وحياة أهليهم وعوائلهم، ويسرق منهم لحظات السعادة التي هي حقٌّ لكل إنسان على هذه الأرض، نحن لا نشعر بمعاناة هؤلاء الذين تصل أعدادهم إلى ملايين مشرَّدين عن أوطانهم يتسوَّلون لقمةَ حياةٍ يجود بها عدوٌّ ضاحكٌ وصديقٌ مُكْفَهِرُّ الوجه عابس، يتضوَّرن لا جوعاً وإنما ألَماً على الإنسانية المتوحِّشة التي يجتمع زعماؤها في مجلس الأمن ليقرِّروا إن كان في مصلحتهم مواصلة القتل في الشرق الأوسط أم لا؟

حيث يكون جوابهم محكوماً بصفقات السلاح والبترول، فالمرأة الموصليَّةُ التي تضع حجاباً على رأسها حياءً من الله لا تستحقُّ أن يدافع عنها أحدٌ من هؤلاء الزعماء الذين يُموِّلون بمليارات الدولارات منظَّمات ما يسمى "حقوق الإنسان"، فحقوق الإنسان تحمي شابَّةً أوروبية شقراءَ ثريَّةً تنزعج من الحكومة التي "تتعسَّفُ" في إمضاء عقدٍ لها لاقتناء يختٍ فارهٍ حتى تجوب بحر الشمال وتقطع مياه المحيط الأطلسي في رحلة سنوية إلى جنوب إفريقيا!

هؤلاء هم الناس الذين تدافع عنهم المنظمات الحقوقية، أما المخلوقات التي تتعرض للقتل بأبشع الوسائل وتُهجَّرُ عن قراها ومُدُنها فلا مكان لها في حقوق الإنسان!

هذا المشهد المرعب هو واقعُ يوميَّات أهلنا، ليس في الموصل وحدها؛ بل في حلب والرقة ودير الزور ومساحة جغرافية كبرى من شمال الجزيرة العربية، ثم في تعز وصنعاء جنوب الجزيرة، فالنار تحاصِرُ أرض الحرمين وتكاد تخنُقُها حتى تلتهِب.. ومَن ذا الذي يمنع النارَ من مواصلة حريقِها؟

النظام الإيراني يرى بلاد العرب أرضاً خصبة لتصدير أفكار الثورة الخمينية، والغرب يراها مصدراً للثروات الطائلة، والأنظمة العربية تراها... أو هي لا ترى أصلاُ ما يحدث! أما الوحيد الذي يرى الواقع المشتعل، فهو المواطن العربيُّ الذي عليه أن يموت إما بقذيفة سلاح وإما أن يموت بالغيظ.. تعددت الأسباب والموتُ واحدُ!

خَرِبت حلب، خَرِبت الموصل، خربت كثيرٌ من البلدات الإسلامية الكبرى خلال 6 سنوات فقط، فهل ستخرب مكة والمدينة؟ وهل سنشهَد صِدْق تلك الروايات الواردة في كتاب أبي عمرٍو الداني؟

في الأخير؛ ليس بالضرورة أن يحدُثَ ما جاء في الكُتُب حرفيّاً.. ولكنْ حتى لو تغافلنا عمَّا فيها من استشراف مستقبل أسود، فإن الواقع أصدقُ كتابٍ يمكن لنا قراءته لنتجنَّبَ خسارة مقدَّساتنا، حتى لو كنا متفائلين كثيراً أو كان بعضُنا واثقاً بت"القيادة الحكيمة" للزعيم العربي المفدَّى، فإننا حين ننظُر ذات اليمين وذات الشِّمال سنجد فعلاً أن سوريا احترقت، والعراق خرِبت، واليمن ما عاد سعيداً، وليبيا تستنجد "الطِّليان" لتقتل عمر المختار مرة أخرى!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.