المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

الطيب محمد صياد Headshot

عام على انقلاب تركيا الفاشل.. Ankara'da ne olur

تم النشر: تم التحديث:

ماذا يحدث في تركيا؟! (15/ 07/ 2016 الساعة: 20:57)
- من المتوقع سماع أنباء سيئة من تركيا. (15/ 07/ 2016 الساعة: 20:59)
- اللهم تركيا تركيا. (15/ 07/ 2016 الساعة: 21:00)

هذه بالضَّبط تغريداتي الأولى في ذلك اليوم المشهود، كنتُ حينها أتابع حسابات بعض الصحفيين الأتراك على موقع التدوينات المختصرة "تويتر"، لغتي التركية الضعيفة لم تمنعني من استشعار بعض الخوف حين كنت أقرأ تغريداتهم، كانت هناك عبارة مفزعة للغاية "Ankara'da ne olur؟"، جعلتني أسارع لنشر تساؤلاتي عبر حسابي الشخصي في الفيسبوك، حتى أشارك أصدقائي الأخبار الواردة من بلاد الأناضول.

بدأتِ الأمور تتوضح تدريجياً مع سَيْل المنشورات والأنباء والتقارير التي تحوم كلُّها حول تركيا جوهرة العالم الإسلامي، لم أتحرَّكْ حينها، وظَللتُ عاكفاً أمام شاشة التلفزيون والحاسوب الموصول بالإنترنت أتابع الأحداث الواحد تلو الآخر.. وسائل الإعلام تتحدث عن "انقلاب عسكري" يوشك أن يوقِع بالحكومة المنتخَبة شعبياً وبالرئيس بالمنتخَب شعبياً، قلتُ في نفسي: هذا امتحان عسيرٌ للديمقراطية في تركيا، فهل سيسعى الشعب للحفاظ على مكتسباته؟ أم أنه سيُفَرِّط فيها خوفاً من سطوة السلاح الذي سيكون هو الحاكم الفعليَّ في مرحلة ما بعد الانقلاب؟

ولكن قبل ذلك؛ كان عليَّ أن أطرح سؤالاً جوهريّاً هو مربِط الفرس: هل أنجزت السلطات التركية ما يُمَكِّنُها من كَسْب حماية شعبية في مثل هذه الأزمات؟ هل وجد الشعب التركيُّ قيمتَه وركَّز بوصلتَه على الاتجاه الصحيح في عهد هذا النظام الجديد الذي بدأ نجمه في الإشراق مطلع القرن الواحد والعشرين؟ أم أن الانقلاب سيغلِبُ الديمقراطية كما كان الأمرُ في سلسلة الانقلابات الدموية التي شهِدتْها تركيا طيلة عقود من قيام الجمهورية؟

هذا هو السؤال الأساسيُّ في أحداث تلك الليلة المشهودة، كان منتصف شهر يوليو/تموز العام الماضي يعتبر في ذاكرتي -بصفتي مواطناً جزائرياً حُراً- نقطة تحوُّلٍ فكريٍّ لا أستهين بها، فالمَدارج التي انحدر فيها الانقلاب العسكريُّ والانقلابيُّون تلك الليلةَ وما صاحب ذلك من ردود فعلٍ سواءٌ تلك التي قام بها الشعب البسيط أو الحزب الحاكم وحتى أحزاب المعارضة، ثم المواقف المتباينة للدول العربية والإسلامية والعالَم الغربي والمعسكر الشرقي وسائر المنظمات والجماعات العاملة في الساحة السياسية؛ كل ذلك كان عندي يُترجَمُ إلى رسائل مهمة للغاية،

رسائل سياسية ودينية وفكرية واجتماعية، وبينما كان النشطاء في ميدان "تقسيم" يلتقطون الصور ليُوثِّقوا جرائم الانقلابيين ويوثِّقوا المَلْحَمة الشعبيَّة؛ كنتُ في بيتي ألتقطُ الرسائل المشفَّرة التي يكتبها التاريخ الإنسانيُّ ليُخلِّدَها كما خلَّد سائر المنعَطَفات العُظمى في مَسيرة البشريَّة.. ظهور النور المحمَّدي في مكة، فتح القسطنطينية، نجدة بني عبد المؤمن للأندلسيِّين، تحالف الأسطولين العثماني والجزائري ضد الغزوات الإسبانية، معركة "تشاناق قلعة - Çanakkale" وانهزام الحلفاء على أسوار إسطنبول.. ثم الملحمة الشعبية الكبرى لإسقاط مؤامرة حِلْف الأشرار خارج تركيا وداخلها وانتصار الأمة الإسلامية كلِّها على ما وُصِف بحقٍّ أنه "محاولة لاحتلال تركيا".

هكذا تتموقَعُ الأحداث التاريخية العظيمة بذاتها في الذاكرة الجَمْعيَّة لبني الإنسان، بحيث نجد كلَّ أحرار العالَم قد اصْطَفُّوا مع الحقِّ ومع العدالة والحُرِّيَّة ضد سلطة الشرِّ والسيف والظلم..

لم تكن 15/ 07/ 2016 ليلةً كسائر الليالي، ولم تنتهِ خلالَ ساعات؛ بل كانت حياةً مختلِفة تماماً، كانت انسلاخَ أمَّة من رِقِّ العبوديَّة إلى رَحابة الحُرِّيَّة والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، تلك الملحمة كان بطلها هو رئيس الجمهورية الذي ظلَّ صامداً، كان بطلها هو وزير الدفاع الذي قاوَم الضغط والتهديد، كان بطلها رئيس جهاز المخابرات الذي تصدَّى بمهارة لحِيَل الانقلابيين، كان بطلها نواب البرلمان الذين تمسَّكوا بالبقاء في "بيت الشعب" قبة البرلمان، رغم تعرُّضه للقصف، كان بطلها مُذيعة في القناة الحكومية أصرَّت على البقاء وقرأت البيان الانقلابي،

ولكنَّها ضمَّنتْ قراءتها رسائل بين السطور قرأها الشعب ما بين الحروف والعيون، كان بطلها حكومةٌ منبثقة من أوساط الشعب قاومتْ كلَّ المحاولات اليائسة وبقيتْ في حضن الشعب، كان بطلها زعماء في المعارضة قدَّموا مصلحة الوطن على المصالح الحزبية الضيقة، كان بطلها جيشٌ لم ينجَرَّ لعصابة الانقلابيين وإنما ظلَّ يؤدي واجبه في حراسة الحدود من أطماع الغُزاة، بل كان بطلها عجائزُ من غازي عنتاب وشابَّاتٌ من إزميرَ وشيوخٌ يرفعون الرايات الحمراء مُهلِّلين ومُكبِّرين يصدَحون من مآذن عاصمة الإسلام، كان بطلها شبابٌ تصدَّوا لدبَّابات الانقلابيين وعَرَّوْا صدورهم أمام أسلحة المجرمين، كان بطلها ملايين من الشعوب العربية والإسلامية تدعو بالنصر للشعب التركي، وتدعو الله بأن يحفظ قطعة عزيزة من بلاد المسلمين، هؤلاء كلُّهم تركوا خلافاتهم جانباً وقالوا: تعالوا إلى كلمة سواء، ولْنَضَعْ أيدينا بأيديكم ونرفض بكل قوةٍ هذا الاحتلال الغاشم.

في تلك الليلة من صيف عام 2016 كنتُ أزهو مفتخِراً بالانتماء لهذه الأمة العظيمة، تلك الليلة فتحتْ باباً عظيمًا من الأمل على مصراعيه، رُحْتُ أتذكَّرُ المَقولة الخالدة: "لا يزال الخيرُ في أمَّتي إلى يوم القيامة"، وعينايَ تذرُفَان دموع الفرح والنشوة بالانتصار بعد أن ذرَفتَا دموعَ الخوف والقهر، رُحت أتذكر أبطالنا: محمداً الفاتح، وألب أرسلان، وصلاح الدين الأيوبي، وسليمان القانوني وغيرهم من أجداد الأمة الشجعان.. حمدتُّ الله كثيراً، فالأمَّة حُبلى بالرجال.. حُبلى بالأبطال.. صلَّيْتُ فجر ذلك اليوم، واسترحتُ قليلاً.. استراحةَ جنديّ منتصِرٍ انتابَتْهُ عواطف النصر في مَلحمته والشوق لأهله، ثم انبجس نورُ الشمس من المشرق، وانبجس نور الحُرِّيَّة من إسطنبول، كانت الأمة في ذلك اليوم على موعد مع عُرِسٍ لم تنتهِ زغاريدُهُ حتى اليوم.. ولن تنقضيَ ما دامت المساجد تصدح بالأذان، وما دامت النجمة والهلال تتألَّقان على صفحات العلَم الأحمر القاني.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.