المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

الطيب محمد صياد Headshot

تراجيديا السلطان عاشور العاشر

تم النشر: تم التحديث:

يدخل السلطان إلى بهو الحكم فينحني الوزير وقائد الجيش وبعض الخدم وجواري القصر الملكي، يتساءل السلطان إن كان هناك قضايا بين الرعيَّة، فيجيبه الوزير بأن كل شيء على ما يرام سوى حوادث متفرقة يرتكبها سكان المملكة الذين لا يستحقون في نظر الوزير الشرير إلا السحق والمحق، حين يكون كل شيء على ما يرام يكون السلطان سعيداً، ويأتي صاحب الطعام الملكي مُسْرِعاً ليُحضر "القشدة بالشوكولاتة" وهي الطبق المفضل في ساعة الجلوس للفصل بين قضايا المتظلِّمين وأصحاب الشكاوى من الرعيَّة، ولأنهم يزعجون السلطان بمَظالمهم فإنه غالباً ما يستقبل منهم واحداً أو اثنين ثم يغلق الباب ويجلس مع القادة المقرَّبين ليخططوا في مصالحهم الخاصة أو في علاقتهم بـ"المَمالك الأخرى" التي تتربَّص بهم ريب المَنون.

خلال ذلك تأتي الزوجة الثانية للسلطان مع ابنها للانتفاع بأقصى ما يمكنهما من خزينة القصر الملكي، لا يبدو أن هناك رجلاً حكيماً غير الشيخ الطبيب الذي يحاول -في يأس- استمالة قلب السلطان لصالح الرعيَّة المَنْسِيَّة، لكن الفساد قد استشرى، والعمى ضرب أبصار السلطة الحاكمة وبصائرها فلا يكادون يسمعون من الشيخ إلا ما يخُصُّ علاج السلطان وأُسْرَتَه..

حين يرجع السلطان إلى غرفته الخاصة يأتيه ماسح الرِّجلين وغاسلهما وهو خادمٌ مختصٌّ في غسل رِجْلَي السلطان يومياً، حتى إنه يسمَّى "الرجلاوي" اللقب الذي يفتخر به هذا الخادم؛ لكونه مقرَّباً لأرجل السلطان "عاشور العاشر".


يوميَّاتٌ هزليَّة يشاهدها ملايين الجزائريين للمملكة العاشوريَّة التي أبدع فيها المُخرِج الرائع السيد "جعفر قاسم" أيَّما إبداع، وهو عمل فنِّيٌّ كوميديٌّ يستحقُّ دراسة مطوَّلةً من جوانبها الدراميَّة ورسائلها السياسية والاجتماعيَّة التي يحرص "جعفر قاسم" على إيصالها في كل تفاصيل هذا المسلسل الشيِّق، ومهما صدرت من تشكيكات سجَّلها بعضُ نشطاء مَنصَّات التواصل الاجتماعي تجاه شخصية المخرج، أو عمله الدرامي "السلطان عاشور العاشر"؛ إلا أن كل هذه المحاولات التشكيكية أراها باءت بالفشل لسببين أساسيَّن:

الزخم الشعبي الذي تلقَّى كوميديا السلطان عاشور العاشر بطريقة لا نظير لها في كل البرامج والمسلسلات الجزائرية، فقد جمعت هذه الكوميديا بين الدراما التاريخية وتصوير الحياة العصرية في مَزْجٍ رائع جداً بين القديم والحديث بقالَب فُكاهي وساخر لم يصل إليه العاملون في مجال الإخراج أو السيناريوهات من قبل، فاستعمال اللهجة الجزائرية الدارجة في مجتمع يعيش حياة العصور القديمة واستعارة المكان والزمان بطريقة مُذهلة؛ كل ذلك جعل عمل السيد "جعفر قاسم" مميزاً جداً لدى كافة الطبقات الشعبية في الجزائر.

إصابة مَكمن المعضلة التي يعيشها الجزائريُّون، فقد مثَّلت هذه الكوميديا نقداً لاذعاً ومباشراً لفساد السلطة وخراب اللُّحمة الاجتماعية، فاستيلاء "عاشور العاشر" على مقاليد الحكم وتقريب أسرته وجعلهم في أعلى مناصب الدولة التي سُمِّيت بـ"المملكة" -وهي تسمية ساخرة لكنها مقصودة بكل ما تحمله الكلمة من معنى عند الجزائريين- كان ذلك رسالة واضحة جداً في نقد ما آلت إليه الجزائر من تدهور في المنظومة الحاكمة والتي تتراكم سلبياتها منذ عام 1962 في دوائر معروفة، والأمر الآخر هو فساد المجتمع وأنه يعيش حالةً من الإيمان الجازم بفكرة "الأمن ثم الأمن أولاً وأخيراً"،

فالشعب الذي ذاق ويلات العَشْريَّة السوداء جعلوه يؤمن بأن الأمن أولى وأوجب من الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، سُكَّان المملكة العاشورية ينعَمون بالأمن، ولكنهم يتنعَّمون في غلاء المعيشة دون أن ينبسوا بأي كلمة ضد السلطان، فكلهم يتخوَّفون أن يكون أي واحد منهم مُخْبِراً لقائد الجيش -وهو ابن السلطان بعد عزل خاله- هذا الابن القائد الذي يتحيَّن كل فرصة للانقضاض بجيشه على الرعيَّة، غير أن الحسابات الطويلة لـ"السلطان" تبدو أكثر رزانة من تهوُّر الابن لقمان ووالدته السلطانة "رزان"!

كوميديا شاهدها الجزائريُّون في ليالي شهر رمضان الكريم وضحكوا كثيراً؛ لأن الدراما كانت في مستوى غير مسبوق من الإتقان بكل جوانبها: التمثيل، التصوير، السيناريو، والإخراج، لكن التراجيديا على أرض الواقع ستجعلنا نضحك أكثر، فالواقع السياسي والاجتماعي مرعب بدرجة لا نظيرَ لها من قبل.

هكذا -باختصار- أقرأ هذا العمل الدراميَّ البديع، وهكذا يمكنني أرصف كتاباً ثالثاً بعد "الكوميديا الإلهية" و"الكوميديا الإنسانية".. كتاباً سأُسمِّيه "الكوميديا السلطانية".. وتحت العنوان أضيف عبارة مُرعبة هي "تراجيديا السلطان عاشور العاشر"!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.