المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

الطيب محمد صياد Headshot

واسيني الأعرج والشاب اللطيف والعثمانية

تم النشر: تم التحديث:

كتبْتُ روايتي الأولى "العثمانية" سنة 2012 وأنا حينها قليلُ الاطلاع على الكتابات العربية وأغلب ما كنت أتناوله هو الروايات المترجَمة، لم أُخْفِ أنه كانت لي نظرة سلبية تجاه الروايات العربية بسبب بعض الكُتَّاب الذين أرادوا الشهرة على حساب كل القيم الدينية والمجتمعية، لكن خريف سنة 2016 كان يحمل مفاجأة لي، فقد عزمتُ على زيارة المعرض الدولي للكتاب بالجزائر العاصمة وكُلِّي أملٌ في العثور على كريمٍ من كرماء دور النشر لعله يقبل بطباعة روايتي ونشرها بأي صيغة من صيغ العقود، كان هدفاً شبه مستحيلٍ في بلدٍ تتضاءل فيه نسبة المقروئية ولا تهتمُّ فيه دور النشر إلا بالعوائد المادِّيَّة، لذا يستحيل أن يجازفوا بطباعة كتاب لشابٍّ مغمور، وكما كنت أتوقع فعلاً لم أظفَرْ بأي ناشرٍ يهوى المغامَرات، كانوا جميعاً أعقَلَ من أن يقبلوا بهذا الرِّهان الخاسر، ضربتُ أخماساً في أسداسٍ وبدأتُ أتجول في معرض الكتاب متخلِّياً عن فكرة النشر والطباعة وما شابه، كانت العناوين تتلاشى بين عينيَّ وكانت الرفوف تتهاوى بين يديَّ لأنها لا تحمل تجربتي الروائية! غرورٌ ما بعده غرور.. هكذا كنت أظن!

لكنني في لحظةٍ ما؛ شاهدتُّ رجلاً ضخماً يتهادى بين الأروقة، يمشي الهُوينَى وكأنه سلطان يرفُل في ثوب الجلال بين رعيَّته، عليه وقارٌ زاده هيبة في أعين ناظرِيه، يلبس كأوساط الناس ويتوشَّح وشاحاً أحمر يبدو مُهِمّاً عنده إذ كان الطقس في مدينة الجزائر حينها حارّاً لا تكسره سوى نفَحاتٍ من نسيم البحر وهو غير بعيد عن صالون الكتاب، كان منظر الرجل يدلُّ على أنه ذو شأن، سألت إحدى النساء اللواتي كنَّ يرافقْنه: من هذا الرجل؟ قالت بسرعة: هو واسيني الأعرج!
قلتُ: أهو واسيني الأعرج؟
قالت: نعم، واسيني الأعرج!
بدأتْ عملية ذهنية غريبة تعصِفُ بعقلي، كان اسم هذا الروائيِّ غيرَ بريء لأن المقطوعات التي قرأتُها له كانت منتقاةً بعناية وبما يتوافق مع نفسيَّاتٍ متهالِكة تروِّج للتحرُّر كما تهوى لا كما يجب، ولكنَّ شاهد العقل جعلني أطمئنُّ مستذكراً قول العربي:
أبا يزيدَ ألا تدنو فتُبصِرَ ما... قد خبَّروك فما راءٍ كمن سَمِعا

و"ليس الخبر كالمعايَنة"، كانت فرصة لا مثيل لها في أن أعرف واسيني الأعرج عن كثب دون أي واسطة، هو أمامي بشحمه ولحمه وعظمه، دنوتُ منه وألقيتُ السلام.. كان رجلاً هادئاً وكان كلامه خافتاً مفصَّلاً يعجب السامعين، طلبتُ من إحدى قارئاته أن تلتقط لي صورة معه إذ كان هاتفي غبيّاً لا يحسن هذه الأشياء، التقطت المرأة صورة لي ثم هرولتْ مع صديقاتها وضاعت الصورة.. لكن الروح لم تضع! هو ذا الكاتب الجزائريُّ الكبير الذي سمِعتُ عنه كثيراً ولم أسمع منه إلا الآن، أول ما لفت انتباهي هو نُبْلُه في مخاطبة من معه، يحفَلُ بالصغير والكبير، ويجيب من يسأله ويبتسم في كل صورة وكأنها أول صورة، كان ذاك أول يومٍ لي معه، أخذتُ منه معلوماتٍ عن نشاطاته في المعرض فقال أنه سيلقي محاضرة عن روايته الأخيرة "نساء كازانوفا" ويُقيم جلسة لتوقيعها مع قُرَّائه.

في اليوم الثاني؛ جمعتُ كلَّ قواي وأنا أختار كرسيّاً في زاوية مناسِبة داخل قاعة المحاضرات، لم يكن الحضور غفيراً ولكنه كان مميَّزاً جداً، كبار الكتاب والنقاد داخل الجزائر وخارجها هم من حضروا هذه الجلسة البديعة، فضلاً عن متابعيه الأوفياء والصحافة الوطنية والأجنبية، بدأ الأستاذ واسيني في الكلام عن روايته "نساء كازانوفا" وأنا أتأمل كلماتِه الغزيرةَ وكأنها زخَّات مطر تحيي أرضاً مَواتاً في قلبي، رُحت أغوص في ثقافته الواسعة التي تنُمُّ عن اطِّلاع كبير لا يُضاهى، فحدَّثنا -مثلاً- أنه قرأ النسخة المختصرة من "مذكرات كازانوفا" في إحدى مكتبات باريس وكانت نحو 1000 صفحة، هذا كله ليقتبس عنوان روايته الجديدة! يا إلهي! ليس سهلاً أن تختار عنوان رواية فما بالك أن تكتب عملاً من ألِفِه إلى يائه؟!

بعد محاضرة ممتعة للغاية؛ فتح للحاضرين باب الأسئلة والنقد، وقد عقدت العزم أن أطرح سؤالاً مهما كلَّفني ذلك من جرأة، كان سؤالي من شِقَّيْن:
ما هي علاقة الأستاذ واسيني بالشخصية الموريسكيَّة؟

وما توجيهُهُ لشابٍّ كَتَبَ روايةً عن حياة مخطوطة أندلسية مفقودة؟

أحسستُ أني أصبتُهُ في مقتل عشق، فقد بدا الرجلُ ثائراً أندلسيّاً يعتزُّ بوطنيَّته ويذكر أجداده ومحنة سقوط الفردوس المفقود وطَرْد الموريسكيِّين عن وطنهم، وكيف عمروا الشمال الإفريقي وكيف حافظوا على عاداتهم وتقاليدهم حتى في أدق تفاصيل حياتهم، أفاض الأستاذُ في الجواب عن مُداخلَتي حتى ظن الحاضرون أنَّهُ لم يتلقَّ إلا سؤالي، ثم عرَّج على تجربتي الروائية وقال: إنه سيكون سعيداً لو قرأ "العثمانية"، ونصحني مازحاً أن أزور مكتبة الفاتيكان التي تحوي آلاف المخطوطات الأندلسيَّة لأطَّلع عليها وأُفيدَ منها في عملي، والذي شدَّ انتباهي في جوابه أنه كان يصفني قائلاً: "أيها الشاب اللطيف"، أعادها مرَّتين اثنتين، راق لي ذلك كثيراً ونسيتُ الغرور الأول، ذاك الذي جعل رفوف الكتب تتهاوى لأنها لا تحمل روايتي بينها!

دروسٌ كثيرة في لقائي بالكاتب الكبير واسيني الأعرج، لم أَنْسَ بعد المحاضرة أن آخُذ معه صوراً كثيرة حدَّ الارتواء، كان خريف العاصمة ربيعاً على قلبي.. ربيعاً وأيَّ ربيع!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.