المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

توحيد عبدالفتاح الزهيرى Headshot

المرأة التي أنصف رأيَها اللهُ أمام رسوله

تم النشر: تم التحديث:

أراد أوس بن الصامت أن يجامع امرأته (خولة بنت ثعلبة) في الظهيرة، فامتنعت عليه ولم تمكنه من نفسها، فاشتعل غضبه وأخذته نوبة من نوبات لَمَمه فقال لها، وهو يكاد يتميّز من الغيظ: "أنت عليّ حرام كظهر أمي".
وهذا هو الظهار الذي كان الصيغة المعروفة في المجتمع العربي الجاهلي للطلاق.. إذاً فقد طلَّقها زوجها.. فهل وقع الطلاق حقاً؟!

وتدبرت (خولة) -وكانت امرأة حكيمة فصيحة- قول الله: "مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ" (الأحزاب: 4)، فأدركت بفطنتها أن الظهار قول باطل، وما بُني على باطل فهو باطل، فاستنبطت بفقهها أنها لم تطلَّق؛ لأن قول زوجها الباطل لا يُبنى عليه حكم شرعي بالطلاق.

لكن الظهار كان الصيغة التي ينطق بها الرجل العربي عندما يريد أن يطلق امرأته.. فهل صارت مُطلّقة أم ما زال زواجها قائماً؟ هذا هو السؤال الذي حيَّرها وأرادت أن تحصل على إجابة شافية عليه.

فلمَّا جاء زوجها في المساء وأراد أن يجامعها امتنعت عليه وطرحته بعيداً عنها، وقالت متحدية: "والله لا تخلُص إليّ أبداً وقد قلتَ ما قلتَ، ولا تقربني حتى ينتهي أمري وأمرك إلى رسول الله فيقضي فينا أمره".

وبعد نقاش مرير قررت أن تذهب بنفسها إلى رسول الله تستفتيه في أمرها، وهي تريد أن تُبقي زيجتها حفاظاً على عيالها من الضياع، وأخذت تشكو إلى رسول الله:
"أفنى شبابي، وأكل مالي، ونثرت له بطني، فلما كبر سني ورق عظمي وانقطع ولدي.. ظاهَر مني".
ولم يفطن رسول الله إلى ما تريد، وظن أنها تشكو سوء خلق زوجها الذي كان يوصف بأن به "لمماً"، فقال رسول الله: "يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه"، فاضطرت إلى أن توضح له ما تريد: "يا رسول الله، إن زوجي قد ظاهر مني، قال لي: أنتِ عليّ كظهر أمي، فتركني إلى غير أحد، فإن كنتَ تجد لي رخصة تنعشني وإياه بها.. فحدثني".
ولكن رسول الله قال لها: "ما أراك إلا قد حرمت عليه".

نزلت كلماته كالصاعقة التي نزلت عليها فأحرقت كل أمل لها في بقاء زيجتها، فقالت فيما يشبه الصراخ: يا رسول الله.. لا تقل هذا! إن أوس بن الصامت أبو ولدي وابن عمي وقد قدمت صحبته وهو أحب الناس إليّ.. والله الذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقاً"، ولكن رسول الله أصرَّ على رأيه؛ إذ لم يكن يملك كمعلم للشريعة ومشرع أن يحكم ببقاء زيجة يشك في شرعيتها، فقال وهو يتحاشى النظر إلى وجهها المفزوع الذي أغرقته الدموع: ما أراكِ إلا قد حرمت عليه، فهتفت متضرعة يمزق النحيب كلماتها: يا رسول الله! انظر في شأني إن لى منه صبية صغاراً، إن ضممتهم إليه ضاعوا.. وإن ضممتهم إليّ جاعوا، وإنا إن افترقنا هلكنا".

فأطرق الرسول لا يستطيع النظر إلى وجهها، فتحول عنها فذهبت خولة إلى الناحية الأخرى لتواجهه وصاحت بصوت أخذ يستعيد وضوحه وقوته:
"يا رسول الله، جُعلت فداك.. قد نسخ الله سنن الجاهلية وإن زوجي قد ظاهر مني ولم يذكر طلاقاً"، فقال رسول الله ليحسم النزاع ويقطع الجدال: "ما أوحي إليّ في هذا الأمر شيء"، فقالت وهي تُملأ غيظاً وتوشك أن تشارف حافة اليأس: يا رسول الله، أوحي إليك في كل شيء وطوي عنك هذا؟!
فقال مستسلماً في ثبات وهدوء: هو ما قلت لك.

وانتحت خولة في أحد جوانب الغرفة وراحت تهمس متضرعة رافعة دعاءها إلى الله وماء الرحمة يفيض من عينيها: "إلى الله أشكو لا إلى رسوله.. أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي"، وأرادت أن تُعيد الكرَّة مرة أخرى فتقول: "انظر في شأني.. جعلني الله فداك يا نبي الله".

ولكن عائشة قالت لها: يا خويلة اسكتِ، أما ترين وجه رسول الله.. فانتبهت خولة ونظرت إليه فإذا وجهه قد أخذه ما يُشبه النُعاس والعرق يفيض منه وما يشبه دوي النحل يدور حول رأسه، وهمست عائشة بصوت خاشع لا يكاد يُسمع "إنه يوحى إليه الآن".
"قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ" (المجادلة: 1)، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول كلما تذكرت هذا المقام: "الحمد لله.. تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله وإني لأسمع كلامها ويخفى عليّ بعضه".

هذه هي قصة المرأة التي ذكرها الرئيس السيسي في الاحتفال بعيد الأم وقد ذكرنا فيها ما خفي على الناس قديماً وحديثاً؛ فقد استنبطت خولة -رضي الله عنها- من سورة الأحزاب ما لم يدركه غيرها!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.