المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

توحيد عبدالفتاح الزهيرى Headshot

التجديد الذي ضاع في غبار المعارك الخاطئة

تم النشر: تم التحديث:

لا يخفى على كل عقل بصير تصاعد الأزمة بين رأسَي الدولة المصرية: الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبين مؤسسة الأزهر، وقد بدأت الأزمة تخرج إلى العلن بعد قيام بعض الإعلاميين المحسوبين على النظام السياسي بالهجوم على الأزهر، واتهامه بفساد تعليمه الذي يُخرج المتشددين الدينيين، بل الإرهابيين، ثم تطرق الحديث الإعلامي إلى وجود عناصر من الإخوان والسلفيين في هيئة كبار العلماء التي يقوم بتعيينهم الإمام الأكبر شيخ الأزهر بنفسه، بل وصل الأمر إلى اتهام الأزهر جهراً وبوضوح شديد بأنه راعي الإرهاب في مصر، وذلك على لسان أحد أبواق النظام السياسي المعروفين بتملقهم المفضوح.

ولا شك في أن ذلك التطور -وإن شئتَ قلتَ التهور- يُعد إعلاناً صريحاً واتهاماً واضحاً من جانب النظام السياسي لمؤسسة الأزهر بالفشل في "تجديد الخطاب الديني" وهي المهمة التي أناطها الرئيس السيسي بالأزهر، وحمله أمانة القيام بها، دون أن يحدد قضاياه أو معالمه.

وعلى الجانب الآخر، يجب علينا الاعتراف الصريح بأن مؤسسة الأزهر، وعلى رأسها الإمام الأكبر، لم تعترف أبداً -في حقيقة الأمر أو في مستودع القلوب- بصحة قضية "تجديد الخطاب الديني".

ذلك الشعار المراوغ الذي لم يعرف أحد معناه.. وربما كان هذا الغموض هو الباعث الذي دفعني إلى إخراج كتابي "ما معنى تجديد الخطاب الديني؟.. رسالة إلى من يهمه الأمر"؛ من أجل بيان المعنى وبيان الأعمال المطلوبة لتحقيق التجديد المنشود.

وإنني لا أرجم بالغيب عندما أقول إن مؤسسة الأزهر لم تؤمن بقضية تجديد الخطاب الديني، فقد عبَّر شيخ الأزهر نفسه عن شكّه وعدم اعترافه بمعنى تجديد الخطاب الديني أكثر من مرة!!

ولذلك رأى الأزهريون أن زيادة حدة الهجوم على الأزهر وتعليمه وعلمائه ودعاته من جانب ألسنة النظام السياسي ليست إلا تحميلاً للأزهر للإخفاقات الكثيرة التي يعاني منها النظام.

كما لو كانت مؤسسة الأزهر المسؤولة عن الفشل في القضاء على الإرهابيين بعد ثلاث سنوات من الحرب الحقيقية التي تدور رحاها على أرض سيناء، والعمليات الإرهابية التي تضرب من حين لآخر مدن مصر.

وكما لو كان الفشل في تجديد الخطاب الديني هو السبب في استمرار وزيادة الأعمال الإرهابية خطورة، وكما لو كان الإرهاب مجرد فكر ديني منحرف، وهو تبسيط مخلّ واختصار مجحف لظاهرة إنسانية معقدة ومتعددة المستويات؛ فالإرهابي ليس شاباً متهوراً استمع إلى موعظة سيئة من شيخ ضال، فنزل من بيته، واشترى حزاماً ناسفاً أو بعض القنابل من أقرب سوبر ماركت أو بوتيك وانطلق ليفجّر نفسه أو يدمر الآخرين وممتلكاتهم!

إن الإرهاب عمل معقد تخطط له وتدبره وتموله قوى سياسية منظمة وأجهزة مخابرات لدول تريد ضرب الاستقرار في الوطن وإفشال النظام السياسي، وعلى هذا المستوى ليس الأزهر ولا لأي جهة دينية أو تثقيفية أي دور في محاربة الإرهاب؛ لأن هذا المستوى وظيفة ومسؤولية أجهزة الدولة الأمنية.

والإرهابي كما قلنا في مقال سابق (كيف نحارب الإرهاب) إنسان مقهور، لديه إحساس طاغٍ بأنه مظلوم، وهو يائس تماماً من حدوث أي تغيير إلى الأفضل في حياته.

وهنا -فقط- يأتي دور الفكر الديني المنحرف؛ ليحول هذا الإنسان إلى وحش إرهابي يدمر نفسه باسم الاستشهاد والآخرين باسم الجهاد في سبيل الله، ومن ثم فإن تجفيف منابع الإرهاب يعني فتح المجال أمام الناس لممارسة حرياتهم العامة، وتحقيق العدالة الاجتماعية بإجراءات قوية وفعالة، وتيسير حياة البشر في أمور معيشتهم، وأخيراً وليس أولاً بتصحيح الأخطاء والخطايا التي وقع فيها الفقهاء والمفسرون السابقون في فهم القرآن الكريم والأحاديث النبوية.. وهو التصحيح المنشود الذي أخذ الاسم المراوغ والذي أوقع علماء الدين والدعاة الأزهريين في لبس شديد، وأدى التخبط في معالجة القضية بسبب الشد والجذب والصراع بين دعاة وأدعياء التنوير على جانب، ودعاة وأدعياء الحفاظ على التراث المقدس على الجانب الآخر. واختنقنا جميعاً في الغبار الكثيف لهذه المعارك الخاطئة التي يتم فيها تبادل الاتهامات بالكفر والإلحاد وإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة على جانب، والجهل والتخلف والغباء على الجانب الآخر.

فما أن تقع حادثة إرهابية بشعة، فيخرج علينا أحد أدعياء التنوير فيتهم حديثاً نبوياً صحيحاً -بمعايير أهل الحديث الشريف- بأنه السبب الذي بعث الإرهابيين على ارتكاب جريمتهم. فيرى علماء الدين والأزهريون، على رأسهم أن هذا الاتهام يعبر عن جهل من يقول به وكفره وزيغه عن الحق؛ لأنه ينكر السنة الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا ندخل في سجال عنيف وجدال عقيم نسمع فيه "قرع التخبيط في الحلل"، ولا نخرج منه بأي شيء مفيد.

إن تجديد الخطاب الديني يعني، كما بينا في الكتاب:

1- تجديد علم تفسير القرآن الكريم على نحو يتجنب الأخطاء والخطايا العلمية التي وقع فيها المفسّرون السابقون. وقد كتبنا عن هذه القضية في مقدمة كتابنا (الماء في القرآن والسنة والعلوم الحديثة) والذي نُشر عام 2003 وقبل أن يخرج الرئيس السيسي بدعوته بأكثر من عشر سنوات حين كان ضابطاً كبيراً غير معروف، وكررنا المقال في مقدمة كتابنا "حقيقة المعراج" الذي نُشر العام الماضي 2016.

2- إعادة كتابة الأحاديث النبوية أو تدوين جديد للحديث النبوي بينا معالمه وخطوات القيام به.

3-إنشاء فقه جديد يتوافق مع مقتضيات العصر وقضاياه.

وهو كما يتضح مجهود علمي كبير يجب أن تُسخر له الدولة -إن كانت جادة في الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني- الإمكانات اللازمة لنجاحه.

وقبل كل شيء كان يجب أن يضع النظام السياسي القضايا التي يرى أنها تحتاج إلى تجديد الفكر ويدعو الباحثين والمفكرين إلى مناقشتها مناقشة علمية جادة وعميقة وحرة ونزيهة ومتاحة للرأي العام في وسائل الإعلام حتى يشارك الناس جميعاً -كل على قدر علمه وجهده- في إنتاج خطاب ديني جديد تثمره تلك المناقشات الحرة "الحقيقية" بين الجماهير والنخبة المثقفة، حتى نجفف منابع الإرهاب، أي نكشف ضلالات الفكر الإرهابي.

ولكن لن يكون لذلك أي ثمرة حقيقية قبل أن يتم إصلاح المؤسسة الدينية (الأزهر) القائمة بالدعوة (تثقيف الناس دينياً) وإعادة الهيبة لها؛ لكي يكون صوتها مسموعاً ويحظى بتوقير الناس، ولا سبيل إلى ذلك إلى بمنحها الاستقلال وإخراجها من التبعية لأوامر الحكومة.

وفي هذا السبيل، لا بد من اتخاذ قرارات حاسمة، وإن شئت قلت تاريخية، ومنها:

1- فض الاشتباك والاختلاط غير المفهوم بين وزارة الأوقاف ومؤسسة الأزهر.
والأوقاف ممتلكات يتبرع بها أصحابها "ويوقفونها" للأعمال الخيرية.
وتوجد أوقاف مسيحية إلى جانب الأوقاف الإسلامية. ولذلك يجب أن تختص "وزارة الأوقاف" بإدارة هذه الممتلكات والإشراف على إنفاق ريعها على الأغراض التي أرادها أصحابها -رحمة الله عليهم جميعاً- ما علاقة هذا بالدعوة الدينية سواء كانت إسلامية أو مسيحية؟.. يجب إيقاف هذا العبث ولا يخفى على أحد الفساد الذي يضرب إدارة كل تلك الممتلكات.

2-الدعوة الدينية وظيفة ومسؤولية المؤسسة الدينية الإسلامية وهي الأزهر، والمسيحية هي الكنيسة. ولا معنى لقول: فلان من علماء وزارة الأوقاف، ما علاقة الأوقاف بالعلم؟! وزارة الأوقاف يجب أن تدير وتستثمر الممتلكات الموقوفة لأعمال الخير على نحو يؤدي إلى تعظيم فوائده، أما العلم الديني والدعوة فوظيفة ومسؤولية مؤسسة الأزهر بالنسبة للإسلام.

3- إلغاء ما يسمى بالتعليم الديني (الأزهري) في المراحل المقبلة الجامعية، بحيث يصبح الأزهر "جامعة" للعلوم الدينية الإسلامية يلتحق بها كل من يطلب هذه العلوم بإرادته الحرة، وطبقاً للشروط التي تضعها الجامعة.

4- فصل الكليات المدنية (الطب والصيدلة وطب الأسنان والهندسة والعلوم..) عن جامعة الأزهر وإلحاقها بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فلا يعلم أحد ما هي وظيفة كلية الطب بجامعة الأزهر غير تخريج الأطباء وهي الوظيفة التي تقوم بها كليات الطب الأخرى.

5- ضمان دخل محترم ومستوى معيشة لائق بخريج الجامعة الأزهرية الذي سيعمل في مجال الدعوة الإسلامية فقط، حتى يكون قادراً على مواصلة القراءة والبحث وتجديد الخطاب الديني بما يتوافق مع تجدد المعرفة الإنسانية. ولا شك في أن مؤسسة الأزهر قادرة -بفضل التبرعات والهدايا والمنح التي تأتيها من شتى أرجاء المعمورة- على أن توفر للدعاة المتخرجين فيها ذلك المستوى المنشود، وعلى الدولة المصرية أن توفر لها الأموال والإمكانيات والوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك إذا كانت تريد حقاً تجديد الخطاب الديني، حتى لا تمتد أعين أو أيدي الدعاة الأزهريين إلى ريالات ودنانير ودولارات الآخرين.

6- ليس معنى ما نقول أن تصبح "الدعوة الدينية" في وسائل الإعلام حكراً على دعاة الأزهر؛ لأن الفقه في الدين فضل من الله يؤتيه من يشاء من عباده. ولذلك يجب فتح وسائل الإعلام أمام الجميع للتعبير عن رأيهم، ولكن في حدود احترام العقل والذوق العام.

احتراماً لحق الإنسان في حرية التفكير والتعبير، وبالجدال بالتي هي أحسن سنظفر بتجديد الخطاب الدينى؛ بإحياء الإيمان في القلوب وفريضة التفكير في العقول.

وعلى وسائل الإعلام أن تحترم نفسها ووظيفتها وجمهورها ولا تبحث عن إثارة الفتن وإشعال الحرائق طلباً للمال الذي يأتيها من الإعلانات التجارية.

وعلى الدولة أن تطبق القانون، ولكن بمكيال واحد لا يخضع للأهواء.

7- إن علاج الأخطاء التي تنتج من إساءة استعمال الحرية لا يتم إلا بمزيد من ممارسة الحرية، في حدود قانون عادل ونزيه ومحترم من الجميع، وأولهم مؤسسات الدولة، ومطبق بروح الرحمة، أما زيادة القمع وتشديد القبضة الأمنية فلن يزيد الإرهاب إلا قوةً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.