المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

توفيق الياسين Headshot

العلمانية: تعريفها وأسبابها وأهم تطبيقاتها.. الأحزاب الإسلامية علمانية!

تم النشر: تم التحديث:

مقدمة

مصطلح العلمانية لا يروق لمعظم العرب المسلمين بالرغم من ارتباطها الوثيق بالديمقراطية، فهم يرون أن معنى العلمانية هو معاداة الدين، وخاصة الإسلام، ونبذه من الحياة الاجتماعية والسياسية، وربما يرى الكثير منهم أن العلمانية تعني الإلحاد بعينه، إذ إن الترجمة الحرفية لها هي "الدنيوية"، ولذلك يشمئزون منها.

بالتأكيد هم على حق، ولكن ليس بالمطلق؛ لأن أحد معاني مصطلح العلمانية هو ما فكّروا فيه تماماً، إلا أن للعلمانية مفاهيم أخرى حسب ثقافة وظروف البلد الذي يطبّقها، وسنفصل ذلك في هذا البحث المتواضع، وسنرى أن معظم الأحزاب والحركات الإسلامية علمانية بمعنى أو بآخر.

ما هي العلمانية؟
يعرّف قاموس "الأميركان هريتغ" The American Heritage English Dictionary، كما كل القواميس المعتبرة، العلمانية Secularism بأنها: "وجهة النظر التي تعني أن الاعتبارات الدينية يجب أن تُستثنى من الشؤون المدنية والتعليم العام".

أما الموسوعة البريطانية فتعرّف العلمانية بأنها: "أي حركة في المجتمع موجهة بعيداً عن الأخروية (حياة الآخرة) باتجاه الحياة على الأرض".

إذن المعنى الأساسي للعلمانية هو "الدنيوية"، أما الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور Charles Taylor صاحب كتاب "عصر علماني A Secular Age" الذي اشتهر بأنه تحليل كامل لكيفية وصولنا إلى العصر العلماني الذي نعيش فيه، فيميز بين ثلاثة تعريفات للعلمانية:

التعريف الأول: هو الفهم الكلاسيكي للعلمانية الذي يتمثل بقيام رجال الدين بالممارسات الدينية، بينما يقوم العامة وهم متدينون أصلاً بالواجبات الدنيوية من أعمال في الزراعة والصناعة والأعمال الدنيوية الأخرى، وربما من الصعب أن نجد تطبيقاً لهذا التعريف في عصرنا الحالي.

أما التعريفان الأهم فهما التعريف الثاني الذي ظهر بعد عصر التنوير Enlightenment وهو قريب من تعريفات القواميس والموسوعة البريطانية، وهو أن العلمانية تعني أن تُفرّغ الأماكن العامة من "ذكر الله وأي إشارة إلى الحقيقة النهائية"!

أما تعريف تايلور الثالث للعلمانية فهو: "انتقال من مجتمع يكون فيه الإيمان بالله لا جدال ولا إشكالية فيه، إلى مجتمع يكون فيه الإيمان بالله خياراً من بين خيارات أخرى، وعادة لا يكون هو الخيار الأسهل لاعتناقه"!

ورغم أن تعريفَي تايلور الثاني والثالث يلخصان تطبيقات العلمانية، فإنه لا يمكن رسم حدود العلمانية بالمسطرة، أي أن هناك بعض أنماط العلمانية التي تخرج عن تعريفات تايلور لتناسب ثقافات وظروف بلاد معينة.
أسباب نشوء العلمانية:
من أهم أسباب ظهور العلمانية على مسرح الحياة الاجتماعية في أوروبا ثم انتقالها بعد ذلك إلى بلاد أخرى في أرجاء المعمورة، هو عصر النهضة Renaissance الذي ظهرت فيه الاكتشافات العلمية كما فعل غاليليو، إضافة إلى عصر التنوير The Enlightenment بقيادة فلاسفة التنوير الفرنسيين: روسو وفولتير ومونتيسيكو الذين دعوا إلى الديمقراطية وفصل السلطات والحرية بكل أشكالها بما فيها الحرية الدينية.

وربما تكون الحداثة والتقدم العلمي في القرن العشرين من أهم الأسباب بعد عصرَي النهضة والتنوير؛ حيث قال الأب (القس) ريتشارد جون نيوهاوس Father Richard John Neuhaus (1936 - 2009): إن معظم المثقفين يربطون بين العصرنة (الحداثة) وبين بروز العلمانية. فكلما أصبح الناس أكثر حداثةً وتقدماً في التعليم، يصبحون أكثر تنويراً وبذلك يفقد الدين بريقه شيئاً فشيئاً حتى ينحصر فيما قاله الفيلسوف ويليام جيمس William James: "ما يفعله الإنسان في وحدته"، أي لا يعود للدين أي تأثير على المجتمع، وينعدم تدخله في ثقافة الناس وسياسة الدولة وقوانينها، بل يصبح ممارسة شخصية فقط.
http://www.catholiceducation.org/en/controversy/politics-and-the-church/the-secularism-of-the-west.html

أهم تطبيقات العلمانية:

1- العلمانية الغربية

أ. علمانية أوروبا الغربية

كان من الواضح توجّه الأوروبيين الغربيين إلى العلمانية المتطرفة حسب التعريف الثاني لتايلور؛ حيث كتب الصحفي الإيطالي ساندرو ماجستر Sandro Magister في صحيفة La Repubblica الإيطالية عام 2003 أن بابا الفاتيكان الأسبق يوحنا بولس الثاني طلب من واضعي معاهدة المجموعة الأوروبية بأن "تعترف المعاهدة بوضوح بالجذور المسيحية لأوروبا"! إلا أن طلبه لم ينفّذ؛ لأن الميثاق المستقبلي لأوروبا يجب أن يكون علمانياً، وأن هناك تناقضاً لا يمكن حلّه بين العلمانية والمسيحية. بالرغم من التأكيد على أصل أوروبا المسيحي، مما يدل على أن للسياسيين رأيهم في رفض المسيحية وخلق هوية جديدة لأوروبا!

إذن بدأت أوروبا الغربية بتطبيق العلمانية المتطرفة باكراً؛ حيث يرى الباحث أندرو هيغنز Andrew Higgins في مقال في النيويورك تايمز عام 2013 أن معاهدة روما 1957 لم تذكر مثلها مثل كل النصوص المؤسسة للاتحاد الأوروبي الحالي "الله" أو "المسيحية" في نصوصها.

وحتى النجوم الـ12 في علم الاتحاد الأوروبي التي هي أصلاً رمز لمريم العذراء، لم يعترفوا بأنها تذكرهم بالعذراء، بل أكدوا أنها "ترمز للوحدة والتضامن والتناغم بين الأوروبيين".

وتقول السيدة غودرن كوغلر Gudrun Kugler: "هناك شكّ عام بكل ما هو ديني، وهو رأي أن الإيمان يجب أن يُستبعد من المجالات العامة". وأضافت السيدة كوغلر وهي مديرة مرصد التعصب والتمييز ضد المسيحيين: "هناك تيار قوي من العلمانية المتطرفة"، وخاصة ضد المسيحية لأن المسيحية، كما قالت: "سادت بشكل غير عادل لقرون".

وبالرغم من وجود دول "متدينة" مثل بولندا وأخرى بينَ بينَ، فإن مفوضية الاتحاد الأوروبي تسعى بكل قوة لفرض العلمانية على دول الاتحاد، وإنهاء دور المسيحية في القارة العجوز، مما جعل الأصوليين المسيحيين يصفون مفوضية الاتحاد بأنها "الشيطان"، إضافة إلى أن الجهاز البيروقراطي في بروكسل -مقر الاتحاد الأوروبي- لا يفضل أي مسيحي على إنسان غير مؤمن بالمسيحية.

ب. علمانية الولايات المتحدة الأميركية

ربما يكون وضع العلمانية في أميركا صادماً لمعظم الناس؛ حيث يعتقدون أن المجتمع الأميركي إن لم تتفوق علمانيته على علمانية أوروبا تطرفاً، فلن تقل عنها حدةً. ذلك أنهم يرون أن الحداثة والتقدم العلمي والتكنولوجي هي المقياس الحقيقي لتسود العلمانية أي دولة، وبما أن الولايات المتحدة هي البلد الأكثر تقدماً في العالم، فمن الحتمي أن تكون أكثر علمانيةً من غيرها، هكذا يعتقد الناس! إلا أن الواقع مخالف تماماً لهذا الافتراض. حيث تشير استطلاعات الرأي لمعهد غالوب Gallup -حسب البروفيسور بين ويذرينغتون Ben Witherington العالِم "بالعهد الجديد"- أن حوالي 85% من الأميركان يعتبرون أنفسهم متدينين أو متدينين جداً، كما أن زوّار الولايات المتحدة الأوروبيين والأستراليين يرون تناقضاً بينهم وبين الأميركيين؛ لأن الأميركيين أكثر تديناً، ومن الملاحظ بقوة أيضاً أن نجد الأميركان في الكنائس أو أي دور عبادة أخرى في نهاية الأسبوع!

ويتابع ويذرينغتون Witherington التأكيد أن الوثائق المؤسسة للولايات المتحدة كإعلان الاستقلال والدستور ووثيقة الحقوق لم تذكر أي فصل بين الدولة والكنيسة.

والأكثر من ذلك أن الرئيس المنتخب يُقسم على الإنجيل، كما أن تعيين قس لمجلسي النواب والشيوخ يدل دلالة حاسمة على أن الولايات المتحدة لا تفصل بين الدين والدولة!

ونضيف على ما قاله البروفيسور Witherington أن العملة الأميركية (الدولار) وهي الأهم عالمياً حملت شعار "على الله نتوكل In God We Trust".

إذن فعلمانية أميركا قد لا تقع ضمن التعريفين السابقين بالتمام والكمال، بل ربما تُصنف على أنها علمانية من نوع خاص!

2- علمانية الهند

يقر دستور جمهورية الهند: "نحن شعب الهند قررنا بشكل رسمي أن نجعل من الهند دولة ذات سيادة، اشتراكية، علمانية، ديمقراطية وجمهورية".

إذاً فالهند دولة علمانية حسب الدستور وليس للدولة دين، إلا أن علمانية الهند إيجابية، فهي تحترم جميع الأديان ولا تتدخل فيها.

وحسب عضو الكونغرس الهندي كاران سينغ Karan Singh فهناك احترام لكل الأديان: "sarva dharma sambhava: "ولكل المتدينين الحق في ممارسة شعائرهم الدينية بدون الصدام مع بعضهم البعض! وحرصاً على المساواة بين الديانات المختلفة كالهندوسية والإسلام والسيخية والمسيحية يمنع وصول الأموال الأجنبية عن طريق المنظمات الدينية من أجل أهداف سياسية!

ومهما يكن فإن علمانية الهند ربما تكون في نظر الكثيرين أكثر تسامحاً مع الأديان والمتدينين، ولكن هناك تداخل بين تعريفات العلمانية وعلمانية الهند، فلا نستطيع وضعها كاملة في إطار تعريف واحد، وربما هذا ما يميزها كما العلمانية في أميركا!

3- العلمانية الإسلامية

طالما أن الدين أو الإيمان بالله خيار من بين خيارات أخرى حسب التعريف الثالث للفيلسوف تشارلز تايلور، فإن جميع الأحزاب الإسلامية التي تشارك في الانتخابات تُعتبر أحزاباً علمانية لإيمانها بأحد أركان العلمانية، وهذا الركن هو الديمقراطية، أي خوض الانتخابات ضد منافسين قد لا يؤمنون بالله.

إذا لم تعد العلمانية حكراً على الغرب والشرق وأميركا اللاتينية، بل أصبحت نظرية عملية ومقبولة الممارسة ممن كان يُعتقد أنهم يرفضون العلمانية بكل قوة.

فهذا حزب العدالة والتنمية حكم تركيا ولا يزال منذ عام 2002 بعد فوزه في الانتخابات التشريعية والبلدية والرئاسية، متنافساً مع أحزاب علمانية تنبذ الدين بالكلية كحزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية.

أما في مصر فقد تنافس حزب الحرية والعدالة وهو الذراع السياسية لجماعة "الإخوان المسلمين" مع أحزاب علمانية في مصر كحزب الوفد والناصريين، وفاز في كل الانتخابات التي أجريت بعد ثورة 25 يناير/ كانون الثاني عام 2011.

لم يقتصر الاعتراف بالعلمانية كمبدأ سياسي تجري على أساسه انتخابات تشريعية ورئاسية على تركيا ومصر، بل طال الجزائر عندما فازت في الانتخابات التشريعية عام 1992 بعد منافسة مع حزب جبهة التحرير الوطنية العلمانية، وإن كنا نعرف النتيجة المأساوية لهذا الفوز الكاسح.

وحتى حركة المقاومة الإسلامية "حماس" فازت في انتخابات 2006 ضد حركة فتح العلمانية.

وهذا ما ينطبق على إسلاميي الأردن الذين يتنافسون مع خصومهم العلمانيين ويفوزون تارةً ويخسرون أخرى.

والأمر غير مختلف في المغرب مع حزب العدالة والتنمية الفائز في الانتخابات الأخيرة. كل ما سبق يدل على أن العلمانية، حسب تعريف تايلور الثالث، مرحّب بها ومطلوبة بقوة في العالم الإسلامي، وخصوصاً من طرف الأحزاب السياسية الإسلامية!

ولكن، وللأمانة، لا بد من التذكير أن هناك في الخليج وتحديداً في المملكة العربية السعودية وفي مصر مجموعة من العلمانيين يلتحفون بـ"الليبرالية" ويعملون في الصحافة والإعلام العام والإعلام الرياضي، لا يكفون عن مهاجمة "الإسلام السياسي" ولا يستطيعون إخفاء رغبتهم ليس بتطبيق علمانية تايلور الثانية فقط، وبلا ديمقراطية، بل باجتثاث الإسلام كلياً من المجتمع العام والخاص، وحتى من قلوب الناس، وهذا واضح في نهجهم الصحفي والإعلامي وفي وسائل التواصل الاجتماعي مثل تويتر الذي لا يخفى على ذي عقل!

الخلاصة
هذه أهم تطبيقات العلمانية في عالم اليوم، وربما تكون هناك تفسيرات وتطبيقات أخرى في المستقبل حسب ثقافة وظروف البلاد الاجتماعية والسياسية.

والملاحظ هنا هو أن الأحزاب السياسية الإسلامية تقع ضمن التعريف الثالث للعلمانية وهذه حقيقة، أي أن الإيمان بالله خيار من بين خيارات أخرى، فلماذا يخشى أعداؤهم منهم إذاً؟ ومن الملاحظ أيضاً نمَطَا العلمانية الفريدان في كل من أميركا والهند!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.