المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

توفيق الياسين Headshot

أميركا أنشأت مجموعتي الإرهاب: القاعدة والدولة الإسلامية

تم النشر: تم التحديث:

"أميركا أنشأت مجموعتي الإرهاب: القاعدة والدولة الإسلامية".
من بين المقالات الأكثر شهرة لموقع "البحث العالمي" في 2016، نُشر هذا المقال الواضح والحاد الذكاء أصلاً في موقع "البحث العالمي" GR في سبتمبر/أيلول 2016. يزعم أن القاعدة وتنظيم "الدولة الإسلامية" هما من يرتكب الهجمات الإرهابية وإطلاق النار على جموع البشر، ولكن السؤال الذي يجب طرحه هو: من هي الدول التي ترعى القاعدة و"الدولة الإسلامية" ISIS؟

تماماً كـ"القاعدة"، فإن "الدولة الإسلامية" صُنعت في الولايات المتحدة الأميركية، كأداة إرهاب صُممت لتقسيم واحتلال الشرق الأوسط الغني بالبترول، وللجم نفوذ إيران المتزايد في المنطقة!

الحقيقة في أن الولايات المتحدة لها تاريخ حماسي طويل في دعم الجماعات الإرهابية، لن يفاجأ بها إلا الذين يشاهدون الأخبار ويتجاهلون التاريخ.

أول مرة انحازت فيها الـCIA (وكالة المخابرات المركزية) إلى الإسلام المتطرف، كانت إبان حقبة الحرب الباردة. في ذلك الوقت، قسّمت أميركا العالم بعبارات بسيطة: القسم الأول هو الاتحاد السوفييتي وقومية العالم الثالث التي اعتبرتها أميركا أداة سوفييتية. وعلى الجانب الثاني، هناك الأمم الأوربية، والإسلام السياسي العنيف، الذي اعتبرته أميركا حليفاً في النضال ضد الاتحاد السوفييتي.

وكان مدير وكالة الأمن القومي في عهد رونالد ريغان، الجنرال وليام أودوم، قد أشار مؤخراً: "بكل المقاييس، استخدمت الولايات المتحدة الإرهاب فترة طويلة. ففي 1978-1979، كان مجلس الشيوخ يحاول تمرير قانون لمكافحة الإرهاب الدولي. وفي كل النسخ التي أنتجت، قال المحامون إن الولايات المتحدة ستنتهك القانون".

وخلال السبعينات، استخدمت وكالة المخابرات المركزية CIA الإخوان المسلمين كحاجز، أولاً لصد التوسع السوفييتي ولمنع الأيديولوجية الماركسية من الانتشار بين الجماهير العربية. كما أيدت الولايات المتحدة علناً السيد سركات إسلام ضد الرئيس الإندونيسي سوكارنو، وساندت الجماعة الإسلامية الإرهابية في باكستان ضد ذو الفقار علي بوتو! وأخيراً، وبالتأكيد ليس آخراً، هناك "القاعدة"!

ولكيلا ننسى، فإن وكالة المخابرات المركزية هي التي أوجدت أسامة بن لادن ورعتْ منظمته رعاية فائقة خلال الثمانينات. وقال وزير الخارجية البريطاني الأسبق، روبن كوك، في مجلس العموم، إن تنظيم القاعدة كان -بلا شك- أحد منتجات وكالات الاستخبارات الغربية. وأوضح السيد كوك أن تنظيم القاعدة، الذي يعني حرفياً اختصار لـ"قاعدة البيانات" في العربية، كان في الأصل قاعدة بيانات الكمبيوتر لآلاف المتطرفين الإسلاميين، الذين تم تدريبهم من قِبل وكالة الاستخبارات المركزية والممولة من قِبل السعوديين؛ من أجل هزيمة الروس في أفغانستان.

وكانت علاقة أميركا مع تنظيم القاعدة دائماً علاقة حب وكراهية. واعتماداً على ما إذا كانت جماعة إرهابية خاصة بتنظيم القاعدة في منطقة معينة تعزز المصالح الأميركية أم لا، فإن وزارة الخارجية الأميركية إما أن تمول وإما أن تستهدف هذه المجموعة الإرهابية بقسوة. ورغم أن صنّاع السياسة الخارجية الأميركية يزعمون معارضة التطرف الإسلامي، فإنهم وعن قصد، يثيرونه كسلاح في السياسة الخارجية.

تنظيم "الدولة الإسلامية" هو أحدث أسلحتها (أميركا)، إلا أنه، كتنظيم القاعدة، له بالتأكيد نتائج عكسية. وارتقى التنظيم مؤخراً إلى الشهرة العالمية بعد أن بدأ سفّاحوه بقطع رؤوس الصحفيين الأميركيين. والآن يسيطر تنظيم الدولة الإرهابي على مساحة بحجم المملكة المتحدة.

ولكي نفهم لماذا نما وازدهر تنظيم "الدولة الإسلامية" بسرعة، على المرء أن يلقي نظرة على جذور التنظيم المدعومة من الولايات المتحدة. الغزو والاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، خلقا الظروف المسبقة لتثبيت وترسيخ جماعات سُنية متطرفة، مثل ISIS. أميركا، وبكل حماقة، دمرت أجهزة دولة صدام حسين العلمانية واستبدلتها بإدارة ذات أغلبية شيعية. وتسبب الاحتلال الأميركي في بطالة واسعة بالمناطق السنية، من خلال رفض الاشتراكية وإغلاق المصانع؛ على أمل ساذج أن اليد السحرية للسوق الحرة من شأنه أن تخلق فرص عمل.

ولكن في ظل النظام الشيعي الجديد المدعوم من الولايات المتحدة، فإن الطبقة العاملة السُّنية خسر مئات الآلاف من فرص العمل. وخلافاً للأفارقة البيض في جنوب إفريقيا، الذين سُمح لهم بالحفاظ على ثرواتهم بعد تغيير النظام، فقد انتُزِعت أصول (أموال) الطبقة السنية العليا بشكل منهجي وفقدت هذه الطبقة نفوذها السياسي. وبدلاً من تعزيز التكامل الديني والوحدة، أدت السياسة الأميركية في العراق إلى تفاقم الانقسامات الطائفية، وخلق أرضية خصبة للاستياء السني، الذي تجذر منه تنظيم القاعدة!

كان لتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" اسم مختلف: القاعدة في العراق، ثم بعد 2010 غيَّر التنظيم اسمه وأعاد تركيز جهوده في سوريا.

هناك الآن 3 حروب مشتعلة في سوريا: واحدة بين الحكومة والثوار، والأخرى بين إيران والسعودية، والثالثة بين أميركا وروسيا. الحرب الثالثة هذه هي معركة الحرب الباردة الجديدة التي جعلت صنّاع السياسة الخارجية الأميركية يقررون المخاطرة بتسليح الثوار الإسلاميين في سوريا؛ لأن الرئيس السوري، بشار الأسد، حليف مهم لروسيا. ومن دواعي الاحراج، فإن كثيراً من هؤلاء الثوار السوريين تحولوا ليكونوا من سفاحي تنظيم "الدولة الإسلامية"، الذين يلوحون علناً ببنادق إم 16 الأميركية الصنع.

تتمحور السياسة الأميركية في الشرق الأوسط حول النفط وإسرائيل. غزو العراق روى جزئياً عطش واشنطن للنفط، لكن الغارات الجوية المستمرة في سوريا وفرض عقوبات اقتصادية على إيران، فلها كل العلاقة بإسرائيل. والهدف من ذلك، هو حرمان الأعداء المجاورين لإسرائيل، وهم حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين، من الدعم السوري والإيراني المهم.
تنظيم الدولة ليس مجرد أداة إرهابية تستخدمها الولايات المتحدة للإطاحة بالحكومة السورية؛ بل تُستعمل أيضاً للضغط على إيران.

آخر مرة غزت إيران دولة أخرى كان في 1738. ومنذ الاستقلال في عام 1776، تورطت الولايات المتحدة في أكثر من 53 من الغزوات والحملات العسكرية. ورغم ما تريدك صيحات الإعلام الغربي أن تصدقه عن الحرب، فإن إيران بكل وضوح ليست هي التهديد للأمن الإقليمي؛ بل واشنطن. إن تقريراً استخباراتياً نُشر في عام 2012، ووافقت عليه جميع وكالات الاستخبارات الأميركية الست عشرة، يؤكد أن إيران أنهت برنامجها للأسلحة النووية في عام 2003. والحقيقة هي، أن أي طموح نووي إيراني، حقيقي أو متوهم، هو نتيجة للعداء الأميركي تجاه إيران، وليس العكس.

تستخدم أميركا تنظيم "الدولة الإسلامية" ISIS بـ3 طرق: لمهاجمة أعدائها في الشرق الأوسط، لتكون ذريعة للتدخل الأميركي في الخارج، وفي الداخل الأميركي لتثير تهديداً داخلياً مصطنعاً لتبرير التوسع غير المسبوق في المراقبة الداخلية للمواطنين. وبالزيادة السريعة لكل من السرية الحكومية والمراقبة، فإن حكومة أوباما تعزز قوتها لمراقبة المواطنين، وبالوقت نفسه تقلل من سلطة المواطنين لمراقبة حكومتهم! إن الإرهاب ذريعة لتبرير مراقبة الجماهير، الذين يحضّرون لثورة شعبية.

وينبغي النظر إلى ما يسمى "الحرب على الإرهاب" لمعرفة سببها: إنها ذريعة للحفاظ على الجيش الأميركي المتضخم بشكل خطير. المجموعتان الأقوى في مؤسسة السياسة الخارجية للولايات المتحدة هما اللوبي الإسرائيلي، الذي يوجه سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ومجمع الصناعات العسكرية، الذي يستفيد من تصرفات المجموعة الأولى. ومنذ أن أعلن جورج دبليو بوش "الحرب على الإرهاب" في أكتوبر/تشرين الأول 2001، فقد كلفت دافعي الضرائب الأميركيين نحو 6.6 تريليون دولار وسقوط الآلاف من أبنائهم وبناتهم. ولكن الحروب جرفت أيضاً المليارات من الدولارات للنخبة العسكرية في واشنطن.

في الواقع، لقد ربح أكثر من 70 من الشركات والأفراد الأميركيين ما يصل إلى 27 مليار دولار في عقود العمل بعراق وأفغانستان ما بعد الحرب على مدى السنوات الثلاث الماضية، وفقاً لدراسة حديثة أجراها مركز النزاهة العامة. ووفقاً للدراسة، فإن ما يقرب من 75 في المائة من هذه الشركات الخاصة كان لها موظفون أو أعضاء مجلس الإدارة، الذين إما خدموا وإما تربطهم علاقات وثيقة بالسلطة التنفيذية في الإدارات الجمهورية والديمقراطية، وأعضاء من الكونغرس، أو أعلى المستويات في الجيش.

وفي عام 1997، ذكر تقرير لوزارة الدفاع الأميركية أنه "تشير البيانات إلى وجود علاقة قوية بين تورط الولايات المتحدة في الخارج وزيادة الهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة". الحقيقة هي أن الطريقة الوحيدة لتربح أميركا "الحرب على الإرهاب" هي فيما إذا كانت تتوقف عن إعطاء الإرهابيين الدافع والموارد اللازمة لمهاجمة أميركا. الإرهاب هو العَرَض، أما الإمبريالية الأميركية في الشرق الأوسط فهي السرطان. وببساطة، فإن الحرب على الإرهاب هي الإرهاب؛ ولكنها فقط تجري على نطاق أوسع بكثير بأناس لديهم طائرات وصواريخ.

النص بالإنكليزية

الكاتب: غاريكاي تشينغو وهو باحث في جامعة هارفارد الأميركية، ويمكن التواصل معه من هنا

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.