المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

توفيق الياسين Headshot

الدارونية الاجتماعية: إعدام الفقراء والضعفاء وراثياً

تم النشر: تم التحديث:

هل سيشهد العالم قريباً -قريباً تاريخياً تعني عشرات أو ربما مئات السنين- انقراض طبقات اجتماعية بشرية وبعض أعراق البشر، كما انقرضت أعداد من أنواع الحيوان والنبات على نحو ما جاء في نظرية التطور الدارونية؟ إن كانت بعض أنواع الحيوان والنبات قد انقرضت، بسبب التغيير الذي حصل في البيئة الطبيعية، حيث لم تستطِع التأقلم مع الظروف الجديدة -الديناصورات مثالاً- فإن بعض طبقات المجتمع البشري وأعراقه سيُفرض عليها الاندثار رغم أنفها؛ ليبقى الأثرياء وذوو البشرة البيضاء والعيون الملونة على سطح هذا الكوكب الجميل، وذلك عن طريق استغلال نظرية التطور الدارونية لعالم الطبيعة الإنكليزي تشالرز دارون Charles Darwin (1809 - 1882)، التي أوضحها في كتابه "في أصل الأنواع" On the Origin of Species، والتي تركت جدلاً لم ينتهِ بين البشر عموماً، والعلماء والباحثين في الطبيعة خصوصاً، فبين مؤيد ومعارض في وقتها أي القرن التاسع عشر، وحتى اليوم لم يستقر رأي علمي عام حول صحتها أو بطلانها!

الانتخاب الطبيعي Natural Selection

الدارونية -باختصار- تنص على أن هناك صراعاً بين أنواع الحيوان والنبات للاستمرار في الوجود، فإن تغيرت البيئة والظروف، فلا يستمر في الحياة إلا تلك الأنواع القوية القادرة على التأقلم مع البيئة الجديدة، أما الأخرى فستندثر وتنقرض في عملية سمَّاها دارون "الانتقاء أو الانتخاب الطبيعي" - Natural Selection. ونتيجة هذا الانتخاب الطبيعي أي استمرار الأقوى واندثار الأضعف سميت بـ"البقاء للأصلح" survival of the fittest، أي أن الطبيعة - بزعم دارون - تنتقي الأقوى وتتخلص من الأضعف! وصاحب تسمية "البقاء للأصلح" هو هربرت سبنسر Herbert Spencer (1820 - 1903)، الفيلسوف الاجتماعي الإنكليزي، وأحد داعمي نظرية التطور الدارونية، بل وأحد مروجي ما نحن بصدده في هذا المقال وهو الدارونية الاجتماعية، التي أخذت مبدأها من الدارونية الأم فيما يخص الصراع بين الأنواع، والانتخاب الطبيعي، والبقاء للأصلح، وبدأ تطبيقها فعلياً على المجتمع الإنساني.

الاقتصاد الرأسمالي الحر Laissez - Faire Capitalism

فالدارونية الاجتماعية Social Darwinism إذاً تبنت نفس منهج نظرية التطور الدارونية اقتصادياً وعرقياً، ولنتحدث اقتصادياً أولاً، فهي تعني أن حياة الناس في المجتمع ليست إلا صراعاً من أجل الوجود يحكمه قانون "البقاء للأصلح"، وأن المجتمعات، مثلها مثل الأفراد، تتطور كالكائنات الحية بطريقة الانتقاء الطبيعي والبقاء للأصلح، ففي مجال الاقتصاد، يصر أنصار الدارونية الاجتماعية على العمل بنهج رأسمالية السوق الحرة laissez - faire capitalism التي تعني عدم تدخل الدولة في الأعمال والسوق التجارية نهائياً، بل تترك الباب مفتوحاً للمنافسة ومن يستطيع التنافس يبقى في الحلبة، ومن لا يجاري الأقوياء عليه مغادرة حلبة الصراع فلا مكان للضعفاء! وليس الضعفاء هنا إلا أفراد الطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة الذين لا يملكون من رأس المال ما يمكنهم من منافسة المليارديرات والمليونيرات.

ولقد بدأت رأسمالية السوق الحرة في بلادنا في الآونة الأخيرة، إننا نرى "السوبرماركتات" الضخمة وأسماءها الرنانة، ولكل "أبناؤه"، "ميني.." في معظم الأحياء. وأن السلع فيها أرخص من دكاكين البقالة التي تملكها الطبقة الفقيرة وبعض من المتوسطة الذين سيستسلمون في النهاية لعدم قدرتهم على الصمود أمام رؤوس الأموال الضخمة ولن يكونوا إلا عبيداً، وهناك المصانع الكبيرة لأهم المواد الأساسية التي تحتاجها البنية التحتية في كل بلد مملوكة لأفراد يعدون على الأصابع، فالحديد الضروري للبناء باسم شخص، والخشب باسم آخر والأرز باسم ثالث وهكذا، فلا مجال للمنافسة لمن لا يملكون السلاح: رأس المال! وواضح أن الهيئات الرسمية ممنوعة من التدخل!!

دولة الرفاه Welfare State

كما تريد الدارونية الاجتماعية التخلص من دولة الرفاه welfare state، ومن المعروف أن دولة الرفاه المطبقة في كثير من بلدان العالم تقدم لمواطنيها الكثير من الخدمات شبه المجانية، فهي تقدم التعليم والتأمين الصحي ومعاشات التقاعد والمساعدة في تأمين السكن ودعم أسعار سلع هامة، إلا أن هذا سيتبدل قريباً، فبعد أن وجد الأغنياء أنفسهم في موقع قوة اقتصادي وسياسي، فلمَ لا يطبقون مبدأ "البقاء للأصلح" اجتماعياً وتفسير المجتمع الإنساني ككل بمصطلحات بيولوجية، ومصطلحات التنافس والصراع من أجل الوجود التي تمثل القانون الطبيعي لوجود الإنسان! وإحدى الوسائل لهذا الهدف هي إضعاف الدولة عن طريق لجم تدخلها في الاقتصاد والأعمال وتحجيم دورها في مساعدة المواطنين، وخصوصاً ذوي الدخل المحدود، وبدأ تراجع الدولة عن أداء واجباتها تجاه مواطنيها في الكثير من البلدان بحجج كثيرة، ولا أدل على ذلك إلا ما يحصل في بعض بلادنا! أي أن دولة الرفاه في طريقها للحاق بالديناصورات، كما ستنتهي السيادة الوطنية لتحل محلها سيادة الشركات العملاقة أو حتى سيادة الأفراد The Individual Sovereign.

كلب يأكل كلباً Dog - Eat - Dog

وللإصرار على تبني الدارونية الاجتماعية والعمل بمقتضى قوانينها، يزعم هربرت سبنسر أنه من خلال المنافسة (في الأعمال) فإن التطور الاجتماعي سينتج آلياً الرخاء والحرية الشخصية كما لم يحدث في المجتمع البشري من قبل، وقد وجد سبنسر دعماً كبيراً عند زيارته للولايات المتحدة من قِبل مفكرين ورجال أعمال من بينهم أندرو كارنيغي صاحب مصانع الحديد وليس صاحب بقالة!! أما الداعم الآخر لنظرية البقاء للأصلح فهو الأميركي ويليام غراهام سومنر William Graham Sumner الذي أكد في مناسبات عدة أنه لا بديل لنظرية البقاء للأصلح! وبهذا كان يدافع -حسب ما فهم منه نقاد الدارونية الاجتماعية- عن مبدأ "كلب يأكل كلباً" dog - eat - dog، أي فليأخذ الصراع والمنافسة مداهما، كما الصراع بين حيوانات الغابة أو الكلاب على قطعة لحم، ويدل هذا المصطلح على شراسة المعركة بين المتنافسين، وهنا لن يبقى صامداً إلا أصحاب الثروات الكبيرة القادرون على التلاعب بالسوق عن طريق امتلاك المصانع والمعامل واحتكار السلع وتحديد أسعارها!

الدارونية الاجتماعية والعنصرية Hereditarianism

يؤمن الدارونيون الاجتماعيون بتوريث الصفات hereditarianism وهو المبدأ الفكري الذي يقول إن الوراثة يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تحديد طبيعة الإنسان، والسمات الفردية كالذكاء والهوية الشخصية! ويعتقدون أن الجينات الوراثية تستطيع تفسير خصائص الشخصية البشرية وحل المشكلات الإنسانية، سواء كانت اجتماعية أو سياسية، ويقلل الدارونيون الاجتماعيون من أهمية المبدأ الذي يقول بأن البيئة هي التي تؤثر في سلوك الإنسان وسماته الشخصية، وهذا ما أوضحه السير فرانسيس غالتون Sir Francis Galton في كتابه "العبقري الوراثي" عام 1869، وعلى فكرة فغالتون هذا هو عالم بريطاني وأحد أقرباء تشارلز دارون، أي أن في نية الدارونيين الاجتماعيين شيئاً ما ضد بقية الأعراق الأخرى، التي في نظرهم خارج سياق المنافسة العرقية، إذا ما أخذ في عين الاعتبار السلوك الإنساني ومعدلات الذكاء وبقية المواصفات الشخصية!

وعلى الرغم من أن الكثير من علماء الاجتماع وعلماء الأحياء، وعلى رأسهم الفرنسيJean - Baptiste Lamarck، أكدوا، في بداية القرن التاسع عشر، أن التغيرات في البيئة قد تؤدي إلى تغيرات فيزيائية قابلة للنقل إلى الأجيال التي تليها، أي أن تطور النسل والصفات الشخصية ممكن عن طريق البيئة وليس الوراثة فقط، إلا أنه وفي نهاية القرن التاسع عشر أكد العالم الألماني أوغست وايزمان August Weismann من جديد على الدور الهام جداً لعملية الانتقاء الطبيعي، وأن السمات الشخصية للفرد تتحدد جينياً عند الحمل! وطبعاً إنجاز مؤيدي الدارونية الاجتماعية إلى ويايزمان وقبله غالتون وقبل الاثنين هربرت سبنسر وويليام سومنر.

دراسات حديثة متضادة والنصر للدارونيين

يبدو أن الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح ينطبقان أيضاً على البحوث والاكتشافات العلمية! فبعد أن فقدت الدارونية الاجتماعية بريقها بعد الحرب العالمية الأولى، لاتهامها بالمساهمة في صعود النازية، حيث كان الزعيم الألماني أدولف هتلر يريد استعمال عملية تحسين النسل لخلق "الجيل السيد" The Master Race، وبعد أن أسهم علماء الأنثروبولوجيا (الدراسة العلمية للإنسان) أيضاً بإضعاف الدارونية الاجتماعية، بأن أوضحوا أن الثقافة الإنسانية تفصل البشر عن الحيوانات، وعليه فلا تأثير للوراثة على شخصية الإنسان وسماته بقدر تأثير الثقافة والبيئة! إلا أن - مرة أخرى - هذا الرأي لم يصمد طويلاً، حيث قام عالما الأحياء الأميركي جيمس واتسون James Watson، والبريطاني فرانسيس كريك Francis Crick بوصف دقيق لجزيء الحمض النووي DNA molecule وكما أصبح معروفاً فهو لبنة بناء الحياة، أي أن له تأثيره القوي في بناء شخصية الإنسان.

وأخيراً وفي سبعينات القرن الماضي جاء عالم النفس الأميركي ريتشارد هيرنشتاين Richard Herrnstein بحجة دارونية تقول إن لا تأثير للبيئة على ذكاء الفرد، بل من يحدد مستوى الذكاء هو البيولوجيا أو الوراثة، وأكد عالم البيولوجيا الأميركي إدوارد ولسون Edward O Wilson أن للجينات الوراثية تأثيراً كبيراً على سلوك الإنسان، ولا يمكن فهم سلوك الإنسان دون أخذ البيولوجيا والثقافة بعين الاعتبار، وقبل أسابيع سمعنا في الأخبار أن رئيس بلدية بيزييه الفرنسية قال: "إن الهوية الفرنسية تقتصر على العِرق الأبيض من أصول أوروبية وعلى الكاثوليك".

دعم بابوي كبير لنظرية دارون

وتلقت الدارونية الأم التي هي أساس الدارونية الاجتماعية تأييداً قوياً، ليس على مستوى البحث العلمي فقط، الذي قد يتغير كما تغيرت الكثير من الحقائق العلمية، بل من أعلى مستوى ديني غربي. ففي عام 1996 اقترح البابا يوحنا بولس الثاني أن نظرية التطور: "أكثر من فرضية، وهي حقيقة مثبتة بشكل فعّال". كما أعلن البابا الحالي فرانسيس أن نظرية التطور ونظرية الانفجار الكبير نظريات حقيقية، وأضاف: "عندما نقرأ عن الخلق في سفر التكوين، فإننا نخاطر بتصور أن الله كان ساحراً بصولجان سحري وقادراً على فعل كل شيء، ولكن الأمور ليست هكذا"، وقال أيضاً: "إن التطور في الطبيعة لا يتعارض مع فكرة الخلق؛ لأن التطور يتطلب خلق مخلوقات تتطور"، وهذا كلامه بالإنكليزية كما جاء في صحيفة الإندبندنت البريطانية:

"When we read about Creation in Genesis، we run the risk of imagining God was a magician، with a magic wand able to do everything. But that is not so," Francis said.

"Evolution in nature is not inconsistent with the notion of creation، because evolution requires the creation of beings that evolve".

وهناك مسارات أخرى للدارونية الاجتماعية تهدف إلى تحقيق "البقاء للأصلح"، وانتقاء من يكون على سطح هذا الكوكب على المدى البعيد وربما المتوسط، وقد نتحدث عنها لاحقاً.

الخاتمة:

اليوم دعم لدارون وغداً قد يكون الدعم أكبر وأقوى لهربرت سبنسر وغالتون وسومنر وبقية أقطاب الدارونية الاجتماعية، وربما سيخرج علينا في المستقبل القريب ليقول إن من ليس أبيض البشرة وعيون ملونة، قد يكون من نسل أقرب إلى نسل الحيوانات، وحتى أصحاب العيون الملونة، إن لم يكونوا من أصحاب الثروة فسيلقى بهم خارج الحلبة! وقد يستثنى بعض الأقوياء وأصحاب الثروات من شرط البشرة البيضاء والعيون الزرقاء! إذاً فشرط الحياة عند داعمي الدارونية الاجتماعية المال والجينات الوراثية الفائقة المواصفات! والمشكلة أن لديهم منظمات حقوق الإنسان وبرلمانات منتخبة، إلا أنها بدأت تخبو في الفترة الأخيرة تمهيداً لانقلاب نوعي في الأخلاق نراه واضحاً في معاملة الأوروبيين للاجئين! ما نراه في العالم العربي قد يكون بروفة لجرائم مخفية بالقوانين، وأكيد أقل بشاعة في بلاد الغرب "المتحضر" مما يحصل في بقية بلاد العالم!

المصادر

1. المصدر الرئيس عن الدارونية الاجتماعية

2. تصريح رئيس البلدية الفرنسية

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.