المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

توفيق الحميدي Headshot

الشهيد اللواء عبدالرب الشداد.. اغتيال الحلم الذي ينبغي تفسير أحداثه

تم النشر: تم التحديث:

بعيداً عن الوجع، بعيداً عن الرثاء، استشهد في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2016م اللواء الركن عبدالرب الشدادي، قائد المنطقة الثالثة، واستشهد أيضاً في نفس اليوم معه اثنان من قيادة المقاومة الميدانية في صرواح، وهو عينه نفس الزمن والمكان الذي استشهد فيه علي عبدالمغني، شهيد الجمهورية الأولى، تتعانق الأحداث واللحظات، وكأنها تستعيد تفاصيل المشهد النضالي للجمهورية ورجالها الأحرار، يمضي الرجال على نفس المسير، ويكتبون ذات الخاتمة العظيمة؛ لتحقيق ذلك الهدف النبيل، إنها قصة الدم الغالي الممتد من الجمهورية إلى الجمهورية، على أشلاء حميرية قحطاني خالصة، إنها قصة التاريخ الثائر والظالم والهدف.

إنها ضريبة الحرية، وثمن الاستقلال، ندركها جيداً كشعب خرج في فبراير/شباط، ويدركها القادة كأبطال تركوا الفنادق وعشقوا الحلم الجمهوري في الخنادق، وتعلموا بفطرتهم القحطانية خارطة طريق اليمن الجديد والجمهورية الثانية، لكن ما لا يمكن أن يمر على وعينا الموجوع اختيار المكان والزمان والرجال ليستشهدوا في لحظة واحدة مؤلمة، هل هي الصدفة العابرة؟ هل هي قانون الفراق الصارم أم أشياء أخرى متعلقة بقصد الخيانة واصطياد الكبار بعيداً عن ساحات المواجهة؟

إنها لحظة الانتقال من الثورة إلى الدولة، كلما أطلت برأسها حصدت في طريقها أنبل الرجال، لحظة ترعب المتمصلحين الذي يعيشون في أجواء الفوضى، ويقتاتون من أوجاع الشعوب، لحظات موجعة للشعوب بقدر دهشة انتظارها، في غمرة هذا الانتقال تختبئ كثير من الكمائن الخارجية والداخلية، راغبة في إبطاء تقدم الثوار، أو خلط أوراق المرحلة، ومن ثم تغيير مسارها، فلحظة الانتقال لحظة قلقة سهلة الاختراق، يكون الوعي فيه يعاني كثيراً من التشوهات، خاصة لدى المقاتلين الذين لم يتشبعوا بروح الثورة، وهم قلة قليلة، إلا أنها قد تكون مؤثرة.

بالأمس استشهد البطل علي عبدالمغني في صرواح في دبابة الجنوبية، واتهمت أيادٍ خائنة متدثرة ثوب الثورة، وعلى مقربة من نفس التاريخ، استشهد الشهيد محمد محمود الزبيري، اغتالته يد صديقة وربما مقربة وهو في برط، وعلى طول المسار التاريخي اليمني وطريق البناء الجمهوري، كان هناك كهنوتيون كثر مندسون، وقيادات متسامحة تجيد ارتكاب الأخطاء، فأسقطت على طول الطريق قادة كانوا بحجم الوطن يختزلون الحلم، ففي ١١ أكتوبر ١٩٧٧م اغتيل الشهيد الحمدي بأيدٍ قريبة وصديقة وموثوقة، لم تكن وفية يوماً للوطن أو لمشروعه الوطني.

وبالأمس القريب اغتيل سالم قطن، القائد الكبير، بعد أن طهر الجنوب من دنس القاعدة ومهد للثورة الشبابية أن تنتقل إلى مرحلة الثورة، فبعملية غادرة وساذجة تكشف مدى الاستهتار بأمن القيادات الحقيقية سقط رجل بحجم وطن.

وفي ٢١ سبتمبر/أيلول ٢٠١٤م سقطت صنعاء العاصمة بعد أن استشهد البطل السبتمبري حميد القشيبي في عملية غدر وخيانة واضحة، شاركت فيها كل القيادات العسكرية والمدنية بمن فيها الرئاسة، وأسقط وزير الدفاع الصبيحي القائد الحلم ورفاقه في الأسر بيد جماعة الحوثي بعملية خيانة واضحة كان أبطالها من المقربين تمهيداً لإسقاط مدينة عدن، واكتفينا بالمديح والعويل ونسج الألقاب، دون أن ننتصر لأنفسنا في القصاص من القتلة، ولو على الأقل كشف حقيقة ما حدث، فالخيانات والغدر خنجر في خاصرة الحلم اليمني الذي لم يكتمل.

منذ أن تلقيت خبر استشهاد البطل الشداد، وأنا أحاول أن أستوعب خبر استشهاده في إطار النهاية الخالدة لبطل طلبها بصدق، لكن شواهد العقل والميدان والكيد السياسي تأبى ذالك، تتزاحم الأحداث بالاغتيالات الكبيرة والصغيرة مؤكدة حقيقة واحدة، أن هناك من يعبث بالمشهد اليمني، يحاول أن يفرغ الميدان من قياداته الشعبية الحقيقية؛ ليبقى الفراغ مواتياً للفوضى وزرع الجماعات المتطرفة والفوضوية، فأزاحت نايف البكري من عدن وحمود المخلافي من تعز ومحاولة اغتيال منصور الحنق في صنعاء؛ لتترك الساحة لتافهين جدد، ومرتزقه لا ينتمون للوطن إلا بالاسم تتم صناعتهم على أيدي هذه القوى العابثة وتهيئة الميدان لهم؛ ليظل اليمن في دوامة العنف غير قادر على حسم قضايا الأمن والاستقرار والتنمية، ليأتي أماميون جدد واقفون في الطابور الجمهوري ينتظرون ساعة قطف ثمرة الانتصار التي صنعها القادة الكبار، والأبطال من فقراء وبسطاء هذا الوطن من غير أقدامهم ووجوههم في ساحة البطولة.

لأصحاب كلمات الرثاء، وفقه التضحية، ارحموا شعبكم لا تكونوا أدوات لدفن الحقيقة بين ركام العبارات، وتزييف الوعي الشعبي بالتهنئة بالشهادة وكفى، هؤلاء قادتنا اختزلنا حلمنا يوماً في إقدامهم وطهارة سيرتهم ونقاء مسيرتهم، اغتيالهم اغتيال للحلم.

من اغتال عبدالمغني كان يحاول اغتيال الحلم السبتمبري، ومن اغتال إبراهيم الحمدي سعى لاغتيال الحلم اليمني بالتنمية، ومن خان القشيبي خان الوطن والجمهورية وثورة فبراير، واليوم من يخوننا في الميدان أو الغرف المظلمة يسعى للقضاء على ما تبقى من حلم سلمناه رجالنا في الميدان، لا نريد أكثر من تحقيق جدي ونزيه لمعرفة الحقيقة كيف استشهد اللواء الشدادي؟ من حقنا أن نحتفظ بتفاصيل ما حدث، الشدادي لم يكن قائداً في جيش الشرعية، كان قائداً في ضمير كل يمني قحطاني أصيل.

لا أثق في هادي وفي طاقمه، فهو غير أمين، فمن خان حلم فبراير من السهل أن يفرط في الكثير من الأحلام ويقتل زهرات الأماني، فهو لن يعلن الحقيقة ويكشف تفاصيلها، ويصارح الشعب المغدور بما حدث، ما زالت ذاكرتنا لم تنسَ الغدر بأهالي دماج، وخيانة القشيبي يواجه الموت البشع على يد عصابة الكهوف المتوحشة، وما زالت مدينة بحجم تعز تعاني هذا الغدر، وما زال إخوان لنا في التحالف ممسوسين بهذا الغدر في مأرب سقط ما يقارب أربعين من جنود قوات التحالف، وفي باب المندب استشهد القائد السعودي السبيهان وغيره، وستظل ذاكرتنا مفتوحة لغدر آخر ما لم يغلق هذا الملف، ويكشف حقيقة الجهة التي تلعب بمستقبل هذا الوطن.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.