المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

توفيق الحميدي Headshot

محمد قحطان.. عندما يتحول المناضل إلى رقم مخفيّ

تم النشر: تم التحديث:

قحطان السياسي اليمني، والإنسان العالمي الذي جاهد طويلاً الطغيان السياسي، وبذل عمراً سياسياً حافلاً بالنضال في تقزيم انتفاشات الطغيان وحلحلة بنيته الفكرية والمؤسسية، كان صوت المستقبل في كل محفل سياسي، ورجل الإصلاح المشترك الوطني الجامع الذي يلتقي معه وحولة فرقاء الوطن، وإن اختلفوا معه في الرؤى والتوجهات، لم يتوانَ يوماً في الانتصار لقضايا الوطن ومعاني التوجه المدني في اليمن.

كان قحطان القاسم المشترك الذي يجمع الفرقاء ويوجد جهودهم نحو هدف واحد هو إسقاط الحاكم المستبد، والتفكير في بناء اليمن الحر المدني في وقت كان النظام الاستبدادي، يبذر الفرقة في كل الكيانات والمكونات اليمنية القبلية والسياسية والمدنية.

قحطان عندما نتذكره، نتذكر رجل الإبداع السياسي ومهندس التعايش السلمي في اليمن القادر على إحداث الفارق في تصريحاته ورؤاه، فكان الحوار المجتمعي همه ورسم ملامح مشروع سياسي يمني باتفاق، اليمني حلمه، وجهاده السياسي.

ولأجل ذلك عمل قحطان السياسي الإصلاحي على هز جذور العائلة، بتعريتها سياسياً، وتقزيمها في الوعي اليمني، وإبرازها عارية مشوهة بلا مكياج، فاتحاً ثغرة في باب لثوار فبراير/شباط الذي اقتحم الشباب لإطلاق شرارة الثورة الذي كان قحطان أحد رجالاتها وأيقونة من أيقوناتها.

لم يتصور أحد أو يتمنى خلو المشهد السياسي في اليمن من الأستاذ محمد قحطان، بحضور الفاعل وأفكاره الإبداعية ونقاشاته العميقة كرجل فرض حضوره الكثيف المستقل وشخصيته المحورية في أي حوار يتعلق بمستقبل اليمن وشكل النظام السياسي المدني، إلا النظام العائلي وحليفه الطائفي لأن أفكار قحطان تحاصر أفكارهم، وتهدد طموحهم ما زالت عبارته (إنها انتفاشة وستزول سريعاً)، يقصد الحوثي الجماعة المسلحة تقلقهم.

لم يكن قحطان رجلاً سياسياً عادياً، بل كان مفكراً عميقاً، وقارئاً حذقاً للتاريخ، لديه تصورات عامة للقضايا المصيرية التي تهم مستقبل اليمن، إنه مؤمن بأهمية العمل السلمي والمدني في رسم مستقبل اليمن، ويرى في التعايش أيقونة البقاء الآمِن نحو المستقبل.

اليوم يختفي محمد قحطان قسراً ليس عن أهله وذويه ومحبيه، وإنما على اليمن عقاباً له على مشروعه السياسي التعايشي الذي أسسه مع رفيقه السياسي الشهيد جار الله عمر، وجرأته في هز جذور الاستبداد العفاشي، وتحجيم صورته الذهنية في المخيلة السياسية اليمنية، فكلماته كانت واضحة كالشمس، مدوية كالرعد، وعباراته صريحة موجعة للمتملقين والانتهازيين، وهو الآن يدفع ثمن موقفه وضريبة انتصاره لشعب وتصديه لمواجهة الاستبداد العفاشي.

عندما أسقط الانقلاب "الحوثعفاشي" صنعاء العاصمة، كان بيت قحطان أحد المقاصد الرئيسية والدخول لغرفة نومة هدفاً من الأهداف الرئيسية، وأخذ الصور لإخماد الحقد الذي كان يغلي في قلب عفاش من تصريح قحطان أيام ثورة فبراير/شباط السلمية.

اليوم تمضي سنوات طويلة من العقوق السياسي والحزبي والمدني، تمارسه الجهات المسؤولة الشرعية مع السياسي قحطان والوزير الصبيحي، حيث أصبحا في عداد المفقودين الذين لا ذكر لهم، ولا عمل جاد عسكري أو سياسي لأجل إطلاق سراحهما أو التثبت من حالتهما، وهما اللذان كانا الواجهة الشرسة السياسية والعسكرية التي وقفت بوجه الانقلاب دون مواربة أو مفاوضة على حقوق الشعب.

قحطان اليوم رمز نضالي وطني؛ لأنه ينتمي إلى جغرافية المناطق الوسطى، لا بواكي له، لم يستند إلى قبيلة شمالية تقاتل لأجله، ولا تيار عسكري يكرس خططه لإطلاق قائده.

قحطان ينتمي للشعب المقهور، ينتمي لعالم المستقبل الذي لم يصل إلى مستوى تفكيره الحزب الذي ينتمي إليه أو القبيلة التي تقف عن حدود المغنم، والمتطفلون في الرياض كالهوام على جيفة حكومة مريضة.

عار أن يستمر هذا الصمت، وعار أكبر أن يتحول ملف قحطان والصبيحي ومعتقلي الرأي والكلمة إلى ورقة سياسية لا تذكر إلا أثناء المفاوضات السياسية، ثم تعاد إلى الدواليب المنسية، أو صورة البروفيل الشخصي لحصد الكثير من اللايكات، فالشعب اليمني يراقب سلوك الحكومة، ويرصد تقاعسها ويصنفه في خانة الإقصاء المتعمد للرموز الوطنية التي ترتقي إلى درجة الخيانة، والسقوط المتوحش في وحل الانتقام البشع.

لغة العجز المستهلكة التي تتعلل بها شرعيتنا المهترئة أصبحت عارية من المسؤولية ومجردة من المنطق الواقعي، فمن يحقق إنجازاً في الميدان ويسيطر على الأرض يومياً ويمسك بمفاتيح اقتصادية موجعة لا يمكن قبول عجزه، ومن يمارس العبث اليومي فساداً ممنهجاً ويمارس فوضى الإدارة ويصدر القرارات للبهلوانيين والمتملقين والمقربين من الأبناء والإصهار ليس المخفيين الوطنيين في أولوياته.

لا أدري ماذا تنتظر شرعيتنا، تدرك أن المختطفين والمخفيين قسرا مسؤوليتها، هل عليها أن تنتظر خبر استشهادهم كما انتظرت خبر استشهاد أمين الرجوي.

بيدها ويدنا الكثير لنعمله ضد جرائم الاختطاف والقتل خارج القانون، لنجعلها العنوان الإعلامي والحقوقي الأبرز في الصحف والمواقع والمحافل الإقليمية والدولية، ليتحرك الشارع من سياسيين وأحزاب ومجتمع مدني، وبيدنا وسائل أخرى تعلمها المقاومة، لماذا قحطان والصبيحي وغيرهما كثر ممن لا ينتمون إلى الهضبة الوسطى والجنوبية تتكدس بهم سجون الميليشيات؟!

إنه قدر الوطن أن يفرغ من خيرة رجاله وأنبل أبنائه ليبقى فيه الحثالة واللقطاء يعبثون بمستقبله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.