المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

توفيق الحميدي Headshot

هل ستحمي القيم الديمقراطية أوروبا من نفسها؟

تم النشر: تم التحديث:

"لا شيء سيكون مثل السابق" هكذا عنونت الصحف البلجيكية مرحلة ما بعد هجوم بروكسيل الإرهابي، فالهجوم كان برأي القادة الأوروبيين المجتمعين بُعيد الهجوم "هجوم على مجتمعنا الديمقراطي المنفتح"، فمنذ الحادي عشر من سبتمبر/أيلول والمجتمع الغربي يعيش هاجس صدام حضاري سلبي متطرف يستهدف قيم المجتمع الأوروبي الغربي الذي عمل على قوننة الحرب بعد الحرب العالمية الثانية. وهو صدام قديم ضارب في عمق التاريخ، يحاول كثير من أصحاب السياسة اليمينية الجديدة استنهاضه من بين ركام الأحداث وأنات الضحايا.

حرصت أوروبا على أن تؤسس للسيادة في العلاقات الدولية، ومنح الحرب لوناً إنسانياً، أي قوننتها، فأسهمت بإنشاء الأمم المتحدة مؤسسة عالمية لإدارة الصراعات العالمية والحد من الحرب ذات الطابع العالمي، والاتحاد الأوروبي كوعاء أوروبي يذوب بداخله الهويات القومية والوطنية التي أشعلت الحروب الأوروبية الطويلة، واستطاعت هذه المؤسسة أن تجعل الإنسان الأوروبي النموذج الراقي في الحصول على حقوقه تحميها مؤسسات القانون المحلية والإقليمية.

في ظل أجواء الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، كانت الدول الغربية تمارس نفاقاً سياسياً وتلون مواقفها في قضايا العالم الثالث، تأييداً للحكومات المستبدة التي تمارس أبشع انتهاكات حقوق والإنسان، وتدعم الانقلابات العسكرية التي تجهض حلم الشعوب بحاكم مدني ديمقراطي، وتمارس استعماراً عسكرياً ليناً حيناً وعنيفاً حيناً آخر، لقد أوجد السلوك الغربي المتلون نوعين من ردود الفعل؛ الأول جماعات متطرفة تعتقد أن السياسات الغربية الداعمة للاستبداد هي التي أوصلتنا إلى الوضع المأساوي، ولا بد من محاسبتها والانتقام منها، فسعت إلى نقل معركتها إلى عقر دار الدول الغربية، في إطار صراع سياسي بحت لا ناقة للإسلام فيه ولا جمل، وإن لبس لبوس التدين المغشوش في ظاهره.

أما رد الفعل الثاني فتمثل في النزوح السكاني الكبير من مناطق القتال في سوريا والعراق وغيرها؛ حيث تحولت أوطانهم إلى ساحة حرب، وتوجهوا إلى مناطق أكثر أمناً واستقراراً، وكانت أوروبا هي قِبلة الهاربين من الحرب وبحثاً عن الأمن، وهم في الغالب مسالمون، فوقعوا بين مطرقة الجماعات المتطرفة، ونزعة التطرف التي بدت تعزو أغلب أوروبا.

يواجه الغرب اليوم تحديات الموازنة بين متطلبات الأمن، وقيم الغرب الديمقراطية، فالهجمات الإرهابية التي تضرب قلب أوروبا وحاضرتها السياسية والعلمانية من قِبل الجماعات الإرهابية، بدأت تهز ثقة الأوروبي بالقيم الأوروبية، وأن "لا شيء سيكون مثل السابق"، كما عنونت الصحف البلجيكية بعيد الهجمات الإرهابية، كما اعتبر القادة الأوروبيون بعد ساعات من تفجيرات بروكسل أن ما حدث عبارة عن" هجوم على مجتمعنا الديمقراطي المنفتح"، وكل هذه العناوين وغيرها منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ حيث استغلها البعض في وضع الأحداث الإجرامية أو الإرهابية في إطار ثقافي وسياق ديني، متى كان الفاعل من المسلمين، بينما توضع القضية في إطارها القانوني أو أقل من ذلك متى كان الفاعل أوروبا أو لا ينتمي للمسلمين.

حشر الثقافي والديني للأحداث جعل البعض يسعى لجر كل حادث يقع في الغرب إلى خانة الإسلاموفوبيا حتى وإن كان المجرم لا يعرف من الإسلام إلا ورقة الميلاد، ويحشر الغرب السياسي في زاوية التطرف الضيقة، ويجردها من كثير من القيم الحضارية التي تفخر بها، ويكشف إفلاس النظرية العلمانية القائمة على الفصل التقني بين السياسي والديني، فالقيم الأوروبية العلمانية أصبحت عاجزة عن وقف نزعة التعصب الديني الحالي التي يطلقها السياسيون عقب كل عملية ويعزز النظرة الأمنية لمعالجة الأحداث على حساب القيم الأوروبية وحقوق الإنسان، ما دفع الدول الغربية إلى إعلان حالة الطوارئ وسن تشريعات استثنائية وإغلاق عدد من المساجد ووضعت البعض تحت الإقامة الجبرية، إن التناول الإعلامي المنحاز، الذي يفتقر الموضوعية والحياد في تناول الأحداث، والخطاب السياسي المتدين كخطاب بوش في أحداث 11 من سبتمبر وهولاند في أحداث نيس أسهم أيضا في ذلك.

إن المتابع للأحداث العالمية الكبرى خارج الجغرافيا الغربية سيجد أن العامل الديني والثقافي والحضاري حاضر بقوة، والمحرك للسياسة العلمانية وأسهم بصورة أو بأخرى بما نشاهده اليوم من موجة تطرف لجماعات إسلامية كانت العراق وسوريا وأفغانستان تربتها، كما انعكس ذلك على الغرب نفسه، بظهور الحركات اليمينية المتطرفة سواء السياسي أو العنيف، التي نفذت هجمات ضربت في أوروبا خلال الفترة الماضية، كاليميني المتطرف أندريس بينغ النرويجي الذي قتل 77، وتفجير بولينا الذي نفذه اليمين المتطرف 89، وحادثة فرجينيا التي نفذها سونيغ هوى تشو اليميني المتطرف التي أودت بحياة 32 شخصاً، وأكثرها دموية كان تفجير أوكلاهوما في أميركا الذي نفذه المتطرف تيموفي ما كافي وراح ضحيته 168، وغيرها كثير، وحيث لم يكن المنفذ مسلماً، تنتهي الحادثة بتقرير طبي في سياق القانون، الذي ينتصر لحق المجرم المصاب بحالة نفسية أو عقلية.

أوروبا أمام امتحان عسير قد تدفع ثمن الفشل في تجاوزه الكثير من سمعتها وأمنها، فالسلوكيات والقرارات التي بدت تصدر كرد فعل على الهجمات الإرهابية تضع أوروبا أمام اختبار حقيقي للقيم الأوروبية التي بدأت تعود نحو الوطنية المتعصبة بعد أن غادرتها بعد الحرب العالمية الثانية نحو فضاء العالمية والإنسانية الكبيرة، فالعقلاء يدركون جيداً أن فترة الرفاه والاستقرار الأوروبي فتره قصيرة مقارنة بفترات الحروب، ارتبطت بالانفتاح الأوروبي على العالم من منظور حقوقي الإنسان والتعايش الإنساني والقانوني مع العالم، ففترة الاستقرار والرفاهية الأوروبية الجديدة بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، جلها تحت مظلة الاتحاد الأوروبي وفلسفته التوحدية، والذي اليوم يواجه تحديات كبرى على الساحة الدولية والإقليمية، أهمها بروز النزعات القومية والوطنية بعد الاستفتاء البريطاني، وهو تهديد قد تكون المؤسسات وآليات الديمقراطية مساهمة بصورة كبيرة في الدفع نحو تفككه والذهاب به نحو المجهول في لحظة تاريخية قلقة للقارة التي أصبحت تعيش مخاوف داخلية متعلقة بالأمن والهوية والاقتصاد ومخاوف خارجية متعلقة بفقدان السيطرة والمصالح.

أوروبا اليوم فلسفة ومؤسسات تواجه تمرداً شعبوياً ديمقراطياً ضد الطبقة السياسية الحاكمة التي يرون أنها تتسم بالفساد الذي تسببت في أزمة اللاجئين الحالية، وصعود التيارات المتطرفة كداعش وأخواتها، فاتجهت نحو اليمين المتطرف، بحثاً عن الأمان واستعادة الزخم التاريخي، ولو على حساب القيم التعايشية والحقوقية، حيث لا تخفي الأحزاب المتطرفة في الغرب عامة وأوروبا خاصة مواقفها مما يحدث في أوروبا ورؤيتهم المتطرف للحل، وهي رؤية تستقطب الكثير من السياسيين والمفكرين ورجال الأعمال والإعلام وقطاعاً عريضاً من الشباب، وتجد من يتصدى لإيجاد المبررات الفلسفية والواقعية لها، حتى عد شخص كترامب ثائراً في الولايات المتحدة الأميركية ضد السياسات الخاطئة للساسة الأميركان، مما لا يدع مجالاً للشك في أن الغرب خاصة والعالم اليوم على حافة هاوية مخيفة إذا نجح السياسيون المتطرفون في الصعود إلى صناعة القرار؛ حيث لن يكون خطر هذا التطرف السياسي على أوروبا بل سيشمل العالم، وقد يدفع العربة سريعاً نحو مواجهة مسلحة عالمية وتطرف أمني وقانوني في السياسات الداخلية يضر بالتعايش والوحدة الوطنية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.