المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تسنيم شريف شلبي Headshot

بين الإسلام وحياة المسلمين

تم النشر: تم التحديث:

منذ وُلدنا ونحن ندرك بحواسنا معاني الحياة.. لهفة الأم، عينا الأب، صوت الأذان، دفء الاحتواء وصراخ يثبت للوجود وجودنا.
نكبر في بلاد يدين أغلب أهلها بدين الإسلام، لكننا في الغالب ننشأ في (ثقافة) وليس في (دين).

ثقافة عندما تقترب فيها من المحظورات -الحقيقية والمجتمعية- تهدد بالنار وبغضب الله.

ثقافة قد تحثك على إقامة الشعائر بالعصيان، "ولا ينبغي التنويه هنا بأن شدة العصا مقرونة بالوضع النفسي للذي يحثك".

ثقافة تتعامل مع الرغبات والحاجات والمشاعر الجديدة والغريبة والطارئة بنبرة حادة؛ لأنها حرام وذنب وخطيئة، وذلك من المرة الأولى والتعبير الأول عنها.

ولا مجال بالطبع لترسيخ الجانب الآخر من الجنة والرحمة والإحسان للاعتقاد بأن فعل الخيرات حاصل بالفطرة، والله كريم يُجازي عليها وإن لم نشعر بها!

على أن النار حق، والتربية حق، والأحكام حق، إلا أن الممارسات الخاطئة باتت تُربَط -حتى من بعض المسلمين أنفسهم- بالإسلام، إلا من رحمه الله بأسرة سوية أو معلم سويٍّ أو عقل راشد يصور له الحياة والإسلام بالحقيقة لا بالثقافات والمجتمعات.

فيكبر متزناً، يخاف النار ويؤمن بها؛ لأنه يعلم أي الأمور ستورده النار.
يكبر متزناً، فيرى أن لأهله حقوقاً تُمارس دون تكلف، يهاب الحرام والذنب والخطيئة على علم فيدرك ألا مجال للاستخفاف أو الإنكار.

يكبر متزناً فيفقه لحال دينه ودنياه، يعلم أن الانفلات سيسقطه والتشدد سيخنقه، وأن الاستقامة فقط، فيها البشرى بالجنة.

ما زلت أذكر قوة حفظها للقرآن، وعلمها برواياته العشر.. سرعة البديهة التي تتحلى بها مذهلة، يمكنك أن تسألها عما شئت في أي بابٍ من أبواب الشريعة فتجيبك بكل فصاحة وثقة وذكاء!

كنت أتتبع حديثه إذا أفتى في مسألة ما، مهارته تُيقظ في داخلك ألف سؤال وسؤال، يسرد لك آراء المذاهب، والمتون لديه كأنها جملة.
اليوم.. أراها بلا حجاب.. تخلت عنه بالكُليَّة، وأصبحت تراه قيداً وظلماً لا يرتضيه الله على عباده.
أصبحت ترى أن الصلاة لا تهم، وأن العبادات لا علاقة بها بالإسلام.
اليوم أصبح يُفتي بأدلة ضعيفة وتفسير خاطئ وكله بالدِّين.

أصبح لديهما النمص حلالاً وتعدد النساء كتعدد الرجال والعلاقات بكل صورها المغلوطة حلال؛ لأنه لا دليل صريح أو، لأن الدليل فيه خلاف والخلاف مقرر في الدين!

أصبح تزييف الحق بأقوال علماء كبار لا يدرك عامة الناس سوى هيبتهم وأسمائهم، ولو أدركوا أكثر لعلموا أن أعمارهم لم تكن في مثل هذا الهراء الذي ينسب إليهم.

الحزن اليوم لم يعُد فقط على انقلاب حال كثير من الناس أو استغلالهم للعلم.
الحزن الحقيقي إنما على المسلمين الذين يأخذون دينهم منهم.
الحزن على مَن تأسرهم -بعفوية- أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال كبار الصحابة دون تثبت.
الحزن على المتلقين آيات التفسير -حُباً- ممن يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً!
الحزن على الباحثين عن الصواب في أماكن خاطئة.

اليوم مَن يقرأ كتابين مؤصلين في علم من العلوم يستطيع أن يدرك الأساسيات ويعرف الصحيح والخاطئ من المعلومات الواردة عليه، سيجد حاجة في نفسه تدفعه للبحث قبل إطلاق الحُكم.

اليوم تنتشر الجمعيات والمؤسسات الإسلامية بشكل مبهر، وبعرض متقن وبمراعاة شديدة لحال الفرد أينما كان.
فلم ترك عدد -غير بقليل- من المسلمين أمور دينهم لشخصيات وحسابات مجهولة، وتجارب غير عقلانية، وكلمات واهنة؟

لم صرنا نبحث عن الرخص ونجعل من النماذج الخاطئة التي ارتكبت باسم الإسلام سبيلاً لفعل ما هو أكثر خطأ وأيضاً باسم الإسلام؟

أعلم أن لذة الحلال جعلت كثيراً من المسلمين يُعادون المشروع والمباح تورعاً، ويطالبون الجميع به باسم الدِّين.

والرغبة في مجانبة الحرام جعلت كثيراً منهم يعتقدون أن الجدال وتحريف النصوص الشرعية سيجعل من أهوائهم حلالاً وكله أيضاً بالدِّين!
والاضطراب هنا سيصيب كثيراً من الباقين مع أن الدين يحتم فهم مُراد الله، مراد الله فقط..
ومراده تعالى في كتابه ليس فيما يتناقله الناس.

إن حياة المسلمين اليوم من عنف وحرب وقتل وتدمير وفوضى ليست لكونهم يدينون بالإسلام.

حياة المسلمين اليوم من تخبط ولا مبالاة وجهل وانحراف ليس لكونهم يدينون بالإسلام، (بل لأنهم لا يطبقون الإسلام).

إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، لكنهم ساهون، والزكاة تطهرهم، لكنهم يخافون قلة الأموال، والصوم وقاية، لكنهم حقيقة لا يصومون، والحج يعيد كيوم الولادة، لكنهم لا يذكرون الله كذكرهم آباءهم وذرياتهم (وأمهات أزواجهم).

إن العلم يرفعهم عند الله، لكنهم يدَّعون أنهم يعلمون كل شيء، وإن العدل واجب والظلم محرم في عقيدتهم، لكنهم ما تَرَكُوا جوارحهم إلا وقد ظلموا بها أحداً من الناس!
إن التعاليم تحثهم على الرقي، لكنهم فضلوا رقي الهوى الذي يهوي بمن ارتضاه!

غاب عن الكثير أن الدين يقرر أخطاء البشر ويدع لهم التوبة اختياراً متاحاً كل يوم وحتى الموت، لكن الله يجازي على الكذب عليه.

غاب عن الكثير أن كل مَن نقل قول الله وقول رسوله -صلى الله عليه وسلم- ليس بالضرورة على صواب، وأن من أراد فهو باحث عن الحق لا منتظر له حتى يأتيه إلى داره.

وأن المسلم القوي خير من المسلم الذي يهزه عن دينه رأيٌ أو (منشور إلكترونيّ).
والمسلم القوي من سأل الله أن يريه الحق، وسأله الثبات على الدين، وحاول قدر استطاعته أن تكون حياته كما أراد الله، لا كما أراد الناس وهواه.
حاول أن تكون حياته هينة دون تساهُل، قوية دون تطرف.. حاول فقط من أجل أن يموت على دين الله!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.