المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق قاسم Headshot

عواجيز الفرح القادم

تم النشر: تم التحديث:

كاتب هذه السطور ينتمى لتلك العشرية البرزخية العجيبة، ثمانينيات القرن الماضي.

الماضي، الذي صرت وجيلي بدرجة ما جزءاً منه. والثمانينيات يا صديقي لو تعلم، حقبة بلا هوية أو أجندة مستقلة، لا سياسيًّا ولا اقتصاديًّا ولا اجتماعيًّا، ولا حتى مظهريا. هي مرحلة انتقالية كعدلي منصور، بين صدمات السادات في السياسة والعسكرية والاقتصاد، وبين ثلاجة مبارك التى جمد فيها البلاد والعباد فاستقر واستمر وتجذر واستوى مشروعه على سوقه في التسعينيات، حتى بات خلعه بحاجة لجراحة بحجم انتفاضة ضخمة في يناير 2011.

وهي - الثمانينيات - انتقالية أيضا بين احتضار التدين المصري لصالح التدين الخليجي الذي سيطر تقريبا على المشهد الديني في منتصف التسعينيات أيضا.

انتقالية هي كذلك، بين السداح مداح المالي الساداتي وبين اقتصاد منظومة مبارك ورجاله. وانتقالية أيضا بين عسكر أكتوبر الأبطال وبين عسكر كامب ديفيد جند المكرونة وحلل الطبيخ. بين الشارلستون والمشجر والألوان الفاقعة والمحزَّق والجيبات القصيرة للبنات والسيدات، إلى ملابس التسعينيات الواسعة والعبايات والحجاب سواء الشرعي أو المودرن المكذوب.

تلك المرحلة الباهتة كانت انتقالية حتى بالنسبة لمبارك الذي كان بحسب كثيرين أقل فساداً وأكثر عملاً، قبل طبعته الأخرى في التسعينيات التى آلت به محنطا في المركز الطبي العالمي.

المهم ...
أقول لك يا صاحبي: أنا وأقراني من أهل الثمانينيات عشنا في قناعة هي "لا أمل في البلد"، وأن الخروج منها هو المشروع القومي والشخصي الأهم، دام بنا الحال كذلك حتى إذا بلغنا الثلاثين قررنا خلع مبارك والأنجال بثورة، لكن لأننا كبرنا نسبيا فقد انقطع نفسنا قبل قطع دابر دولة أبو علاء، فعاد رجاله وانقلبوا على الرئيس المنتخب بعد الثورة، وهنا كان مكاننا الطبيعي في المنافي: تركيا، قطر، أوروبا، أمريكا أحيانا.

ومن المنافي صرت وجيلي نراقب الانهيارات التى لا تتوقف لمصر وفي مصر، ونسأل: ماذا لو سقط السيسي؟ وسقوطه في تقديري ليس بعيداً. السؤال ذلك قادني مع آخرين إلى خوف ألا يتغير شيء. فقيادات ورموز المشهد هي نفسها التى تقود منذ ما قبل الثورة، ونفسيات هذه القيادات وعقلياتها هي نفسها لم تتغير. حتى عندما صار الاصطفاف الثوري والوطني فريضة الوقت دبت بين القوم خلافات كالتى كان مبارك يذكيها بين شرائح النخبة المصرية ليدوم سلطانه ويظل ملاذ الجميع ضد الجميع، تحول الاصطفاف إلى نكتة أو أكليشيه مسطح، الكل يتهم الكل بالتورط في الدم، هؤلاء متهمون ببيع الثوار في محمد محمود، وأولئك موصومون بلعنة دماء رابعة والنهضة، وهكذا، بات كل شيء مهدداً بالعبث والانسداد.

كل تلك السطور يا صديقي لأقول لك الآتي: مؤخرا تلقيت جرعة أمل ويقين بعد حوار مع صديق وزميل عمل يصغرني بـ"17" عاما، عادة أمازحه قائلا إنني لو تزوجت عندما بدأ أبي يحرضنى على الزواج لربما كان لي ابن في عمره، هذا الصديق قال لي عن أولئك المتنابذين بالدماء: "هؤلاء وهؤلاء عابثون، كل منهم باع الآخر في موضع ما، وإن لم يفيقوا سنجعلهم يندمون وسنلحقهم بالسيسي عندما يسقط"!

رغم اختلافي في تفاصيل رأي زميلي، إلا أن كلمات الفتى ذكرتني بيقين قديم مفاده أن الخروج من التاريخ أقسى من الموت، والموت هو ما أخشى أن يصاب به جيلي صاحب الثورة الفقيدة، الذي بدأت تنطبق عليه سنن وقوانين.كلام الفتى أحيا داخلي رغبة في الحياة ومقاومة الزمن وتجار السياسة ومقاولي الثورة، وأن يكون لي ولجيلي نصيب في الثورة القادمة، كيف؟؟ هذا سؤال إجابته ميسورة للجادين مهما كانت تكلفتها، لأن البديل هو أن أتحول ونتحول إلى عواجيز الفرح القادم، كما تحول أغلب قادتنا ومربيينا وكتابنا وملهمينا وحقوقيينا إلى عواجيز أفسدوا علينا الفرح الذي صنعناه في 2011 .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.