المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق هارون شطة  Headshot

ولجأت إلى الله في خلوتي وكلّمته

تم النشر: تم التحديث:

ها أنا ذا أجلس أمام طاولتي الصغيرة أجهد نفسي، تُحيطني كُتبي من كل اتجاه، يُصيبني شعور غريب، أشعر بالفوضى والشتات، كلما شعرتُ به، أستدل أن العقل قد تعب من القراءة، أجهد نفسي من أجل جمع أكبر معلومات تُعينني على اجتياز امتحانات آخر فصل دراسي، يُصيبني اكتئاب ومخاوف لستُ أعلم ما مبررها، ولكني أحس أن شيئاً ما يجلب لي الخوف، هو خوف اتجاه المجهول، خوف من الذي يأتي، وعاقبة ما بعد الذي يأتي، الامتحانات شُعور لم أكن أهتم به كثيراً، فقد كُنت لا أبالي إطلاقاً، ولكن اليوم لا أعلم، أحس ولأول مرة أني مكتئب، وأن مصيري هل هو الجنون أم ماذا؟!

أتوهم أنني ذاهب للاعتكاف في تلك الخلوة البعيدة حيث لا يهتم لشأني أحد، أتدارس القرآن وأبدأ حياة جديدة، أتوهم أنني قد انفصمت وكونت لي شخصية جديدة، كما أطلقتُ على نفسي اسماً صُوفياً جديداً، أصبحتُ زاهداً في كل ما يربطني بالمدينة، احتجبتُ كالقمر في ليلة قد عصفت به الغيوم.

نعم هو مثلي قد عصفت بي غيوم هذه الدنيا، ولجأتُ إلى الله في خلوتي وكلمته، توهمتُ أني قد انجذبتُ بنوره، لم تعد قدماي تحملاني، أحس بأني أُحلق عالياً أتحسس الغيوم ثم أعود إلى الأرض، أخبر الذي يجاورني فينعتني بالجنون، نعم لعلي قد أصبت بالجنون، ربما أنا فعلاً مجنون مصاب بداء الوهم.

وكيف لا أُجنّ وأنا ما بين الأنا واللاأنا من أنا؟ سؤال في حينه كان لي صعباً أن تجد ماهيتك وأنت في هذه الحالة، أمر عسير على العقل أن يستدركه، ويجد تلك الإجابة ويجلي ذلك الغموض الذي اكتنفني وجعلني في حالة يرثى لها.

يرتد إليّ طرفي وأنا ما زلتُ أحاول القراءة، أحاول الفهم ينغلق عليّ الإدراك، أحس بصوت في أذني يأتي من بعيد، أن حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، أنهض متثاقلاً وقد ملأت الدموع عيني، فأعلم أنني كُنت في رحلة معراج وقد هُبط بي الآن إلى عالم الدنيا، تحسستُ مجلسي إذ هو دافئ من أثر الجلوس.

عندما تمسك كتاباً وتغوص في حناياه يأخذك من عالم الدنيا إلى عالم ما خلف هذا الكتاب، عندها تجد تلك المتعة والتجلي.

وما زلتُ أقرأ المذاهب الأدبية بين الكلاسيكية والرومانسية والواقعية إلى محور التجريب ما بين نظرية المعنى وآفاق النظرية التأويلية، علمتُ أنني قد حلقتُ بالروحانيات وهُبط بي بالماديات، كم هي مؤلمة هذه الحياة!

لطالما أطلقتُ سؤالاً عميقاً على نفسي، وأنا في مرحلتي النهائية في الدراسات العليا، لماذا أنا هنا؟ ما الذي أتى بي للدراسة؟ هل هو الفضول أم الرغبة في استدراك وتجميل صورتي أمام الآخرين وكسب لقب علمي؟ أم هو سعيّ نحو إشباع ذلك الشغف بالأدب والنقد والثقافة؟ أسئلة لا أجد لها إجابة غير الإرهاق الذهني والخوف من الفشل الذي ظل يطاردني منذ أن قررت هذا القرار رغم درجاتي الجيدة التي حققتها حتى الآن، إلا أن هناك خوفاً يسيطر، صراعاً ذاتياً يقودني لليأس أحياناً وللأمل ووضع أحلام أراها في حينها مشروعة، ولأني مغرور كما في اعتقاد الكثير، أود أن أحقق كل ما أحلم به، لعل هذا الأخير هو الجواب الأمثل للأسئلة التي أتعبت ذهني بالتفكير، أو بمعنى آخر أنني أحب العلم خاصة الأدب، وكل ما يقود إلى الثقافة والأدب والفكر، أحاول أن أكون جزءاً منه، ولكي أرضي ذلك الطموح والحلم الذي ظل يسيطر عليَّ وقعت في فخ الدراسات العليا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.