المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق عادل الطوباسي Headshot

التوظيف اللاأخلاقي يحاكي العبودية العصرية

تم النشر: تم التحديث:

في بيئة العمل التنافسية يكون السعر الأدنى إجمالاً هو المحدد الرئيسي فعلاً لاختيار موردي الخدمات، وفي ظل سعي أصحاب العمل لتحقيق الهامش الربحي الأقصى يتم تقليص ميزانية الموارد البشرية، وعندما تتسم المنافسة بالعدائية في أسواق نادرة الفرص، تتحول اتجاهات تحقيق الوفر في الميزانية إلى تحميل التكاليف بشكل مباشر (أو غير مباشر) إلى القوى العاملة، وهو أحد العوامل الرئيسية في تجسيد العبودية الحديثة.

بعض المساهمين الرئيسيين في هذا الاتجاه الفاقد للاتزان: القوانين الإقليمية غير المحددة واللامعيارية، نظم التخطيط والقياس المبهمة، مصادر التطبيق المتواضعة: ضعف القوى العاملة والأدوات المسخّرة، ونقاط التحقق الضبابية، إجمالاً فقدان الرؤية يؤدي لشلل الأجهزة التنفيذية والرقابية.

في هذه البيئة، تتأثر استراتيجية التوظيف باكتساب عادات التوظيف اللاأخلاقي السيئة، والتي يمكن ملاحظتها في جميع نقاط التفاعل مع سلسلة التوريد.

يعتبر التوظيف اللاأخلاقي أحد المكونات الإنشائية للعبودية الحديثة، الذي بدوره يغذي أعراض العبودية الأخرى (العمالة بالإكراه، الاتجار بالبشر، عبودية الاقتراض.. ).

تعلمت من خبرتي في مجال إدارة الموارد البشرية أن الوصول إلى هدف التوظيف الأخلاقي بمقاييس عادلة لا يمكن تحقيقه على الأقل في الوقت الراهن؛ لأن المغاير قد تشكل في عائلة أكبر متأصلة بواقع الحال، ومع ذلك، يمكن أن تتوصل إلى المطابقة مع بعض المعايير، وأن تكون في وضع مطمئن من النواحي القانونية.

فعلى سبيل المثال، وكما هو متعارف عليه حالياً، لكي يُؤمّن العامل فرصة وظيفية (عقد عمل أو فيزا) عليه أن يقوم بدفع مبالغ طائلة كرسوم توظيف، تتغير قيمة الرسوم بتغير جنسية العامل، وبالنتيجة، فإن العمال الذين قد لا تتجاوز قيمة الراتب الشهري الإجمالي (المدفوع تلقاءه) 165 دولاراً أميركياً، بالمقابل قد تتقاضى شركة التوظيف من العامل (من إحدى الجنسيات الآسيوية) ما يصل لأكثر من 4000 دولار أميركي، يتقاسم هذه الغنيمة شركة التوظيف المحلية (في بلد العمل الذي يؤدي عمل الموزع المحلي)، شركة التوظيف وأصحاب نفوذ في بلد العامل، وفي أحيان كثيرة تتقاضى الشركة صاحبة العمل جزءاً من هذا المبلغ!

نظراً لفقره الشديد فإن العامل في أمَس الحاجة إلى العمل، ولكي يغطي المصاريف اللاأخلاقية وغير المبررة بأي حال من الأحوال، سيقوم باستدانة المبلغ من عصابات منظمة محلية بفائدة تتجاوز 100% وبضمانات لا قانونية، يتعهد العامل بسداد القرض بأقساط حتى يستوفي كامل المبلغ، مما يضطره لتحمل أقسى ظروف العيش، والعمل لفترات تتعدى عشرات السنوات.

في حالات أخرى، يتم إيهام العامل براتب وعمل مختلف، أو يجبر على دفع مبالغ من المال تحت مسوغات مختلفة لصاحب العمل في حال قرر ترك العمل، أو يمنع من السفر، أو يجبر على سكن لا يرقى لمقومات بشرية.

لقد قدّرت (منظمة العمل الدولية) أنه يعيش حالياً 21 مليون إنسان في ظروف العمالة بالإكراه، بينما وجد (هامش العبودية العالمي) أن 46 مليون إنسان عالقون في العبودية الحديثة، هذه الأرقام تقترح أن (الوضع الأخلاقي العادل) يجب أن يكون تحت المساءلة؛ نظراً لأن مؤشراته فشلت في التطور على المستويين التصحيحي والوقائي.

عندما نلاحظ أن هنالك عطلاً تنظيمياً متصفاً بالتكرار بشكل واسع، ولا يمكن التحكم به لمستوى 21 مليون خيبة أمل بالنظام، فإن اقتراحات الفشل الهيكلي تظهر بشكل تلقائي.

إذا افترضنا أن النظام الإداري لمنظمة العمل الدولية يراجع داخلياً بشكل سنوي، فإنه بعد 98 مراجعة ما زالت المخرجات مزعجة، على الصعيد الدولي، تترسخ العلاقات الدولية بأشباه العبودية بما يضعها في أحد كفتَي الميزان، وفي الكفة الأخرى لا شيء مهم فعلاً.

عندما تتبع الأدلة بهدف وضع رؤية واقعية، يتوجب تحديد نقطة وسطية بحكمة والتوجه لها، ربما تتمكن تعديلات القوانين المجزأة والإجراءات التصحيحية من شفاء بعض المؤشرات، ولكن في جميع الأحوال تبقى العبودية قائمة بلا أمل منظور.

ــــــــــــــــ

* المقال الأصلي في مدونتي الشخصية

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.