المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق زيد الهندي Headshot

فاشلون حتى في الكذب

تم النشر: تم التحديث:

كم أفتقد هرتزل واجتماعاته السرية! كم أفتقد لورانس العرب وغيرترود بيل وطابور المستشرقين! وسايكس وبيكو أيضاً!

كل عاقل يعلم أن السياسيين يكذبون ويخططون بالخفاء ويقولون ما لا يفعلون بالضرورة.

كان لهم بعض الهيبة والاحترام لدى عامة الناس، كانت كلماتهم منمّقة ومختارة بعناية، نعم كانوا يكذبون لكن بذكاء، يرسلون الجواسيس والباحثين لمعرفة طبائع الشعوب ليختاروا بعدها الخطة الأمثل والخطاب الأكثر قبولاً وتصديقاً لدى الجماهير.

كان يطل رؤساء الوزراء وزعماء الدول بأبهى حلة، يحسبون كل حركة وكل كلمة خوفاً من أن يظهروا بما لا يناسب مقامهم لدى العامّة. نعم كانوا أشراراً، ولكن على الأقل كانوا يتعبون أنفسهم لإرضاء الجماهير ولو ظاهرياً.

أما ومع بدء الألفية الجديدة فقد ظهر نوع جديد من السياسيين، ليس لهم من السياسة إلا المسمى، هم حمقى وجاهلون وليس لهم احترام ولا هيبة، ولكن ما يغيظني حقاً هو مقدار الغباء والفشل الذي يديرون به دولهم، فجورج بوش كان قمة جبل الجليد فقط، رجل مغيب عن الحقائق، لا يعلم التاريخ ولا الجغرافيا، لغته ركيكة ومستوى ذكائه تحت المتوسط.

فجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وبها ما بها من الأخطاء وعلامات الاستفهام عن دور الدولة العميقة، ثم تبعها بإعلان الحرب على العراق لسرقة الموارد وتغير خريطة الشرق الأوسط تحت غطاء منع أسلحة الدمار الشامل، وتمادى بعدها ليعلن إما أن تكون مع أميركا أو تكون إرهابياً!

والغريب أن بعض الدول ذات الماضي العريق بالمكر والدهاء السياسي كبريطانيا وفرنسا مثلاً، انجرّت وراء تلك التفاهات التي لا يصدقها أحد عاقل! وبدا سياسيوها وكأنهم تحت تأثير التنويم المغناطيسي، وربما تذكرون أغنية "أطلق النار على الكلب" للمغنّي جورج مايكل، التي تلخّص حالة الغباء التي رافقت تلك المرحلة وهو يصوّر توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا، في وقتها ككلب بوش.

تنفّس العالم الصعداء بعد انتهاء حكم بوش وتأمل في أوباما خيراً، لم يتغير شيء سوى أسلوبه المنمّق في الخطابة!

أما عن إيجاد المبرر لقتل الأبرياء، فما كان هنالك خيار أسهل من صُنع عدو وهمي، ومن ثَم نفخه ليصبح فزّاعة تبرر كل جرم، فكانت القاعدة في البداية، ولكن بدأت الناس تتململ من عجز الحكومة عن القضاء عليها طوال هذه السنين، وبقدرة قادر، وبين ليلة وضحاها قتل زعيمها وزال خطرها!

وما لبثوا أن جاءوا بنسخة معدَّلة، أكثر إجراماً وتخويفاً للناس، فأطلّت داعش، ربما انضم الكثير من الشباب العربي المقهور طوعاً لصفوفها، ولكن السر يكمن في القيادة، وجوقة الإعلاميين الذين يروون للناس القصة بما يناسب أهواءهم ومصالحهم، وبين عشية وضحاها أيضاً، سقطت الموصل وبدأ التنظيم بالانتشار، بل جعلوه عالمياً!

تفجيرات في قلب أوروبا، لكن المذهل حقاً هو توقيت تلك التفجيرات، انتخابات هنا أو هناك، لا مشكلة تفجير بسيط لقلب الموازين، وداعش تتبنّى، بطالة متفشية وقوانين ضد العمال، بسيطة، حادث دهس، وداعش تتبنّى، كتالونيا تريد التصويت للاستقلال عن إسبانيا، يا لَلعجب!

لقد حان موعد الجهاد إذاً، حادث دهس آخر، وداعش تتبنى أيضاً، ربما من الأفضل أن يغير التنظيم اسمه لأنجيلينا جولي!

وفجأةً.. لا شيء! لسبب ما توقف التفجير والدهس، لكن ما زالت روسيا في سوريا، وإسرائيل تقصف سيناء، لا أدري كيف لجيوش تنفق التريليونات على أحدث الأسلحة أن تفشل أمام عشرات البيك أب ترك من تويوتا؟! تباً للدبابات وال"إف 35"، فلنشترِ تويوتا قاهرة الجيوش!

وكذلك اختفت إنفلونزا الطيور، واختفت الطائرتان الماليزيتان، واختفت الإيبولا، واختفت أدلة استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا، واختفت كرامة الإنسان!

واستمر الانحدار في نوعية السياسيين حول العالم، فصور النائبين النائمين خلال الجلسات أتت من كل بلد تقريباً، وآخرون يأكلون التسالي، وآخرون يقامرون أو يتصفحون المواقع الإباحية.

كانت الرشوة في الماضي سراً من أسفل الطاولة، لكنها أصبحت علنية أمام الملأ، فكم من قانون مرّ في مجالس الشيوخ حول العالم بناءً على طلب أصحاب رأس المال وتجار السلاح! واستمر الانحدار...

فلم يكن فوز المهرج ترامب مفاجئاً؛ لندخل بعدها مرحلة جديدة تعدت الغباء السياسي إلى مرحلة الوقاحة السلطوية.

نعم لقد ماتت السياسة وما نراه لا يعدو كونه حكماً سلطوياً ديكتاتوري النزعة، لا يحترم البشر ولا يحترم عقول الجماهير، تماماً كما حدث بعد بيان كذب فرعون أمام الحجج التي أتى بها نبي الله موسى عليه السلام، ففشلت سياسة الكذب والمماطلة وتزييف الحقائق؛ ليستبدلها بالغطرسة والوقاحة، فقال فرعون: "ما أريكم إلا ما أرى"، وتمادى فقال: "أنا ربكم الأعلى".

لقد عدنا بعد آلاف السنين لذات النقطة، لكن هذه المرة ليس بفرعون واحد، بل مئات الفراعين!

وما يدعوني للعجب هو صمت تلك الجماهير التي تتلقى هذه النفايات صباح مساء، كذب مكشوف، واعترافات بالرذيلة والبغاء والعمالة للأعداء، تباً لمهرجي العصر، فعلاً صدق رسول الله، حين قال: "قَبْلَ السَّاعَةِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ، يُصَدَّقُ فِيهِنَّ الكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهِنَّ الصَّادِقُ، وَيَخُونُ فِيهِنَّ الأَمِينُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الخَائِنُ، وَيَنْطِقُ فِيهِنَّ الرُّوَيْبِضَةُ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: المَرْؤُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ العَامَّةِ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.