المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق بدار Headshot

لازم ومتعد

تم النشر: تم التحديث:

حسناً، هناك شيء ما يدفعني للكتابة الآن، لا أعلم ما هو، لنر إلى أين سنصل..
في اللغة‬ هنالك نوعان من الأفعال: ‏لازم‬ و‏متعد‬، الأول لا يحتمل وجود "مفعول به"، مثال: "ذهب زيد"، في حين يحتمل الثاني حتى مفعولين اثنين، مثال: "شرب زيد كأساً"، "أهدى عمرو زيدًا فرسًا"، أفهم أن ذلك يتعدى اللغة حتى يصيب أفعال البشر، والقانون، ولربما هو ترجمة لعدل الله في الحساب.

لا يمكن مثلاً أن يتساوى من ساعد محتاجاً برغيف، بمن ساعده بأن هيأ له مشروعاً، وظف فيه - فيما بعد - من يحتاج من معارفه، فالأول اقتصر فعله على البذل، والثاني تعدى - فيما لو اعتبرنا صاحب الحالة الأولى كما الثانية من حيث الظروف والنيات وسواها - ربما يتضح المثال أكثر بمرآته: القبيح من الأفعال، فمن ارتكب حماقة أضر بها نفسه فقط: سكر في بيته لساعة، ليس كمن يتاجر بالمخدرات.

من هنا، يمكن استخلاص كون ‏الأنانية‬ فعل متعدٍ، كبر الموقف الذي برزت فيه أو صغر.

شخصياً، امتنعت عن الإعارة تماماً، لأن أنانياً جاءني في لحظة ضعف وطلب الاستعارة، وحين آن الآن، أرجع ما أخذ بعد أن أفسده، أو تأخر في إعادته، أو أضاعه ولم يعده، أو ربما اختفى - هو - ولم يعد.

هذا الأناني تعدى فعله إلى أن منعني من إفادة غيري بسبب ما اقترف، وربما تعدى هذا المنع لأشخاص آخرين، كما كان الأمر معي حين استعار أحدهم كتاباً من والدي في التسعينيات ولم يعده حتى الآن.

ربما لم يعر والدي الأمر اهتماماً، لكن المشهد لا يزال راسخاً في مخيلتي رغم كوني طفلاً تلك اللحظة، ربما لأنه أفسد ترتيب بقية أجزاء الكتاب في نظري، فكلما نظرت في خزانة الكتب وجدت الأجزاء تبدأ من الثاني وتنتهي بالسادس.

يتسع الموضوع أكثر حين أستحضر مشاهد من فصول الدراسة، وأرى أنانياً طلب الذهاب لدورة المياه وقت الامتحان، لنكتشف كذبه بعد ذلك، وأنه ذهب للغش، فتعدى فعله الأحمق حتى منع الجميع من الخروج إلى الحمامات وقت الامتحان، بمن فيهم مريض السكّر الذي ضاع وقته وهو يقنع أساتذته بحالته المرضية.

أحمق ثالث يلاحق فتاة في مكان عام.. يعاكسها، يصدر قانون في تلك المدينة بمنع الشباب من دخول الأماكن العامة دون عائلاتهم، وتمتنع العائلات عن السماح لبناتها بالخروج من المنزل، وتزداد التبعات من أمراض اجتماعية أسس لها ضعف ثقة بالمجتمع نتجت عن تصرف أناني إثر نزوة عابرة لم تستمر لدقائق.

هذا بذاته ما فعلته ‏القاعدة‬ سياسياً ، حجرت الأعمال الخيرية، ضيق على المسافرين في المطارات، روقبت الحوالات المالية، شوهت صورة العرب، طرد مئات الموظفين من أعمالهم، واعتقل مثلهم في أوطانهم، واحتل بلد لعشرات السنين، تعدى فعل الاحتلال إلى ما هو أبشع وأسوأ، فنهبت مقدرات البلد، وعذب أبناؤه، وشرد وقتل واغتصب وسرق من سرق، وأضف فوق ذلك ما شئت، في صورة مكررة - مع الفارق - عن أنانية ‏الإخوان‬ بمصر‬، مع كون الضرر وقع عليهم - وعلى القاعدة - كما وقع على غيرهم في أبشع نتيجة.

ما كان أصل كل ذلك؟ فكرة، ثم عمل أناني.

كنت أستمع لأحدهم منذ أيام، قال إن أصل الشرور في البشرية هو ‏حب السلطة‬، ولو خير بأن يخفي صفة في الإنسان لاختار القضاء على النزعة السلطوية، نظرت في كلامه ووجدت المبعث الأساس لذلك هو الأنانية، لا يمكن أن تكون أنانياً غير محب للتسلط والنفوذ.

على أي حال، يمكن اعتبار الأمثلة السابقة إيجابية في المجتمعات الناجزة، وهذا نادر، حيث يتقدم المجتمع للقضاء على الظاهرة السلبية توعوياً، وعقاب صاحبها، مع بقاء الأمر كما كان عليه، هروباً للأمام لا قهقرة للخلف والتقاطا للحل الأسهل بالضرورة، لكن أيضاً لا يمكن اعتبار ذلك جيداً على الدوام، فالاعتماد على ردات الفعل - فقط - كمنطلق للنظر في السلبيات مشكلة.

تذكرون فيديو ‏الرجم الشهير‬ العائد لـ"‏داعش، حين كان على أول سلم وحشيتها؟‬ الفيديو عزز أصوات المطالبين بإعادة النظر في ‏التراث‬ - حينها - جيد.

غير الجيد أن المجتمع حيد الأصوات طوال سنين، وانتظر حتى فاجعة كهذه في رد فعل ساذج.

الخلاصة.. أنانية ثوانٍ تضيق ما تبقى من فسحة في المجتمع لسنين، ودافع غير مفهوم للكتابة يصدر ناتجاً لطيفاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.