المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق بدار Headshot

مش الحوار

تم النشر: تم التحديث:

قبل شهور، تعرفت إلى صديق مصري جميل جمعني به احتكاك دائم يقرب من ثلاثين يومًا، كان مما لا يزال يطن في أذني من عباراته اصطلاح: "‏مش الحوار‬".

لا أظن أني سمعته مسبقًا -وأنا من يعتبر نفسه جيدًا جدًّا في اللهجة المصرية -
عاد بي هذا المصطلح إلى تعبير آخر -فصيح هذه المرة- سمعته أول مرة منذ أربع سنوات تقريبًا: "#‏تحرير_موطن_النزاع‬"،
معناه؟ أن يعين المتنازعان/ المتحاوران النقطة أو النقاط التي يختلفان عليها كي تقود النقاش بعد ذلك.

عمرو كان يعاني -ربما- في نقاشه مع غيره، لم يمتلك ذاك الغير مهارة/ رغبة المضي قدمًا في النقطة لا غيرها دون تفرع غير مفهوم، هو لا يستطيع/ لا يريد إكمال المسير حتى النهاية، يمارس "سياسة الأبواب المفتحة" كما أسميها.

نخرج كما دخلنا؟ لا، نخرج أسوأ مما دخلنا: أضعنا وقتًا، وجهدًا، وتُرك الباب الرئيس، وفتحت أبواب أخرى.. بقيت مشرعة.

قلت لصديق منذ أيام: إني لا أستسيغ النقاشات العلنية المحدودة بوقت، جلها يعتمد على الارتجال واستخدام الكاريزما بدل إقناع السائل أو المتابع، ربما يكون في ذاك تحد جميل.. لا أقبله على حساب صحة المعلومة والطرح واكتمالهما.

احترمت كثيرا الدكتور محمد العوضي -إبان أعوامي المدرسية- حين كنت أقرأ في مقالاته شرحه لرفضه أكثر من دعوة لبرنامج "الاتجاه المعاكس"، واصفًا إياه بصراع الديكة.

أشاهد البرنامج؟ نعم، خلال فترات متقطعة، ولا أنكر استمتاعي أحيانًا.. النابع من موروثات ثقافية وتربوية قديمة مصدرها: أفحمه، قضى عليه، فضحه، شرشحه، أنهى مستقبله، والقائمة -مرة أخرى- على الفصاحة والترجل والعنجهية، لكن بعد انخماد كم الأدرينالين أدرك أني خرجت بـ لا شيء، وفي المقالات التي كنت قرأتها لضيوف البرنامج -المثقفين- الذين خرجوا "منهزمين" في الحلبة حول اندهاشهم من اعتماده الكلي على قمع الطرف الآخر شيء مما أقول.

في التاريخ الإسلامي كم لا بأس به من المناظرات، ما لا يُفهم هو استساغة فقرات ضيقة ونشرها مقتطعة عن سياقها على أنها فتح عظيم.

قلت مسبقًا: إننا أمة تسبح على محيط من قصاصات الحكم والأمثال والأقوال والمواعظ ولا تطبق منها شيئًا، كبسولات شغفتنا هوسًا.

ساهمت في ذلك -قصدًا أو عن غير قصد- ثقافة الهواتف الذكية المعتمدة على سرعة الرد وقصر المعلومة والملل السريع من الاستطالة في القراءة أو الكتابة على سواء، وكأن نكبتنا في القراءة وتكوين رأي صلب كان بحاجة لدركة منحطة أخرى.

عانيت في مراهقتي من هذه الحال: إجابة قصيرة/ خير الكلام ما قل ودل، لكن دراستنا للنقد في اللغة العربية -على بساطته- قضى على ذلك، كنت أتساءل عن كيفية استرسال مراسلي القنوات الإخبارية في إجابة سؤال يبدأ بـ "هل"، إلى أن تعلمت أسلوب صياغة إجابة متينة تدور حول موطن نزاع بعينه، تبدأ وتصل البؤرة وتنتهي والفكرة ما تزال ذات الفكرة.

ربما يفسر ذلك خطبة الجمعة التي استمرت أكثر من نصف ساعة يكرر فيها الخطيب ذات الكلام وذات المصطلحات وذات الجمل، يدور حول نفس النقطة، حتى كسر صمت المصلين شخص بجانبي: "خلّصنا يا زلمة"!

سألت قديما أحد المشايخ عن أمر استجد علي، فقدم لي إجابة مطولة -مكتوبة-، فما لبثت أن عدت: "يعني حلال ولا حرام؟" ربما لو كنت محله الآن لعزفت عن إجابة السؤال الثاني، وعنفت السائل.

عودة لـ "مش الحوار"، قد.. قد.. قد (ثلاثية) أتفهم "ضيعان الطاسة" أثناء حواري مع بنات حواء، كون دماغ الجنس النسوي يعمل بطريقة "شمولية" أكثر، يتفرع بشدة أثناء النقاش ليفتح أبوابًا متعددة قد يتم إغلاقها -إن كنتُ محظوظا-، لكني لا أتفهمه من ابن آدم، الذي يعمل دماغه بطريقة الصناديق: 1. الآن سأفتح صندوق الموضوع أ 2. سألتني عن موضوع ب؟ اصبر، سيتم إغلاق صندوق أ، ثم استخراج صندوق ب، ثم فتحه، والآن: تفضل واسأل.

وطني العربي الجميل، الرحمة

* صوت من بعيد: "ليش تركت الكل ومسكت في العرب؟"

ملحوظة:

المقالات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع