المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق بدار Headshot

الدورة التي جعلتني محترفاً!

تم النشر: تم التحديث:

تعرف الشباب العربي مع اندلاع ثورات 2011 على أنماط إعلامية جديدة ما عهدها من قبل، هذه الأنماط دفعت به نحو خوض غمارها من باب الفضول، ومن باب كونها مناطق شاغرة تنتظر من يتقدم ليشغلها، وتواجد بموازاة ذلك من كان ينظر للأمر واصفاً إياه بالموضة التي سريعاً ما ستندثر بالنظر لـ"هوجات" مسبقة اعتبرها تبخرت، لكن ما ظهر أن الأنماط الإعلامية خصوصاً، وبعض الأنماط الأخرى المتعلقة بالاقتصاد والفكر والسياسة بدأت تتوسع وتتغلغل في عقول أبناء المنطقة حتى تشربوها وصارت جزءاً من كيانهم، الأمر الذي دفع لبحثهم عنها بنَهَم.

وطالما أن الحديث حديث إعلام، فدعونا نتوسع في هذه الجزئية.

الجامعة

لا ينكر عاقل أن الجامعة في أوطاننا أضحت وسيلة لحمل شهادة يتخذها الشباب درعاً في وجه البطالة، إلا أن الدرع تهتّكت وبليت. الجامعة تقترب حالياً من كونها ترفاً اجتماعياً لا داعي له، والتوجه أضحى تجاه الدورات التدريبية والتجارب العملية المكثفة التي تصنع إنساناً قادراً على خوض غمار العمل عن "خبرة" واطلاع حقيقي. ربما لم يكن هذا الحال قبل عقد تقريباً، حين تخرجتُ وبحثتُ عما يؤهلني للدخول في المعترك الإعلامي من دورات أو تجارب عملية مكثفة دون جدوى.

الدورات

الإشكالية أن اتخاذ هذا النمط التعليمي درباً أوقع الشباب في مشاكل أخرى. أصبح هم الشاب اجتياز أكبر عدد من الدورات العشوائية وتكويم الشهادات ظاناً بها قيمة، خصوصاً أن الغالبية الساحقة من الدورات التدريبية لا تقدم اختبارات تشترط النجاح، وتقوم بتسليم الطلبة شهادات اجتياز الساعات المتممة للمادة التدريبية؛ لأن القيمة الحقيقية ليست بالضرورة للشهادة، إنما ما يليها من عمل، الشهادة هي ورقة إثبات لا أكثر.

حقيقة الأمر أن الشباب لا يزال أسير الدراسة التقليدية حتى وإن اختار نمط الدورات: الحصول على الشهادة ثم البحث عن وظيفة. في حين أن نمط الدورات يستلزم الكثير من الجهد الذاتي والبحث والتفكير والوقت على مرحلتين: الأولى مرحلة اختيار التخصص/المجال الذي يرغب الشاب في خوض غماره والاستمرار فيه نهجاً وطريق حياة ومصدر رزق، والثانية مرحلة ما بعد الاختيار التي يمكن اعتبارها مرحلة الدراسة الذاتية والعمل المستمر. ودونهما لن تكون قد استفدت مما قطعته شيئاً، فالدورات - حتى المطولة - تمنحك مفاتيح، وتهيئ أرضيات مناسبة للانطلاق عليها ماشياً باحثاً عن بقية الأبواب.

صناعة الأفلام

على أثر تقديمي لعدد من الدورات المختصة بالسينما وصناعة الأفلام، تصلني العديد من الأسئلة من قبيل: ماذا الآن؟ الإشكالية تكمن في اعتبار الشباب اجتياز الدورة نهاية المسير، وبداية وقت الجني وانتظار السحابة التي ستمطر دولارات. أما الحقيقة المرة أن الدورة هي حلقة في سلسلة. لنتخيل معا أنك في حال الدراسة الجامعية ستقضي 4 سنوات تكلفك 10 آلاف دولار تنتهي بشهادة لا تسمن ولا تغني من جوع، في حالتنا هذه ربما تختصر المدة الزمنية لكنك لن تختصر التكاليف، لكنك ستجد لها طريقاً آخر، وسيزيد مجهودك بالضرورة كما تقدم؛ لأن الخطوة التالية هي أن تبدأ في صناعة / البحث عن مشروعك الشخصي المستثمر للمعرفة التي تحصلت عليها. بشكل أكثر وضوحاً: يجب أن تدخل السوق وتبدأ مرحلة العمل وإنتاج المشاريع (الأفلام) بأنواعها: قصيرة، دعائية.. إلخ، هذه ليست مزحة. وكنتيجة حتمية: من يقوم متوجهاً لهذه الدورات في منتصف دراسته الجامعية أو أعماله ظاناً أنها ستسعفه، سيكتشف أنه أضاف شهادة أخرى لشهادته الجامعية وعلقها على الحائط!

لن أصبح مشهوراً

لا، لن تصبح مشهورا في يوم وليلة (على اعتبار أن الشهرة هدف أو حتى نتيجة لما تقدم أصلاً)، الأمر يستدعي أن تبدأ، أما كيف تبدأ؟.. فتلك قصة أخرى.

فعلى اعتبار أنك قطعت شوطاً جيداً في الدراسة والبحث والمتابعة وتنمية المعرفة، ونويت الانطلاق، فأمامك عدد من الخيارات كهاوٍ. قبل سنوات، شكل افتتاح قنوات الأطفال الغنائية - في الأردن خصوصاً - للمخرجين الجدد مجالاً جيداً لاستغلاله ولاستغلالهم أيضاً؛ حيث كانوا يقدمون عدداً ضخماً من أعمال متتالية بمقابل أجر طفيف، لكن هذه التجربة بنت لهم درجة أولى ممتازة على سلم الصعود. من ضمن الخيارات الأخرى أن تقوم بصناعة فيلم قصير بالإمكانيات المتوفرة لديك (لكن ليس على حساب الجودة)، ومن ثم نشره على الإنترنت بالقدر الممكن، وربما دفع إعلانات ممولة تجلب لك المهتمين، أو اعتباره قطعة تعرضها على شركات منطقتك الصغيرة لاستعراض قدرتك على إنتاج إعلانات تجارية مجانية لهم (على حسابك طبعاً)، وعندما يصبح لديك الكم الكافي من الأعمال، يمكنك البدء بتقديمها لشركات أكبر وطلب مبالغ أكبر.

يتوجب عليك هنا أن تكون ذكياً بما فيه الكفاية كي تكتب/ تنفذ مشروعك الأول بما يخدم ما لديك من ميزانية. خيار ثالث أن تصنع فيلماً قصيراً مستعيناً بمحترفين، على أن تتفق معهم على أن تسدد أجورهم بدفعات ميسرة كمثال، وبعدها تقدم الفيلم لما تيسر لك من مهرجانات حتى تخلق لنفسك اسماً تنافس به، ومنتوجاً يختصر عليك أشواط العمل المجاني. يمكن أن تقوم بنقل المعرفة المتوفرة لديك لطلبة المدارس بمقابل مادي، أو أن تنقلها للمهتمين من أبناء حيك، حتى تكوّنوا معا فريقاً يبدأ المنافسة في السوق.. هكذا تسير الأمور، والخيارات مفتوحة.

ما الخلاصة؟

الخلاصة أن لا يوجد ربح سريع، ولا توجد جبال من ذهب، أياً كان قرارك وأنى توجهت فستتعب، الفارق أنك من يحدد: تعب بلذة، أم تعب الدواب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.