المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق بدار Headshot

في الأردن.. انتبه "العقل الجمعي" يراقبك!

تم النشر: تم التحديث:

سألني: هناك عقل جمعي في عمّان.. صحيح؟
قلت: نعم، وبشع!
قال أحدهم: عمّان صغيرة.
قلت: عشرة ملايين شخص يقطنون الأردن حسب الإحصاء الأخير.

خمسة أحداث خلال أسبوع تقريباً، شاهدت فيها الوجوه ذاتها بشكل غريب، حدثان منها ظننتُ أني سأشب خلالهما عن الطوق، لكن يظهر وجود محرك غير مفهوم لمن يقطن هنا.

في عمّان إن بَرَدَ الجو قليلاً.. يجلس الجميع في بيوتهم. وإن أشمست يوماً منتصف الشتاء تخرج كل المملكة إلى الشارع.
إن كانت هناك مباراة في الدوري الإسباني تشعر بحظر للتجوال، وإذا حلت نهاية الأسبوع، فستشد الرحال نحو سبعة أو ثمانية أماكن عامة معروفة، و"راح تقضيها مباوسة" كما قال!
الطريف تغير تلك الأماكن من عام لآخر، وموضة العامين السابقين هي "البوليفارد"!

لا يمكن أن أنسى عندما أُعدم صدام -المقدّس هنا- صباح ذلك العيد، كيف اتَّشحت الأردن بلون السواد، وتحولت الشوارع إلى أزقة في مدينة أشباح..

لا يمكن أن يغيب عن بالي الذهاب للعمرة، وعثورك على الأردن في صحن الكعبة.. واسأل من خرج صيف العام الماضي.
وليس من السهل السهو عن موسم التزاوج -كما عَبّرالمتحدث- الذي يبدأ من يونيو/حزيران حتى أغسطس/آب!

العقل الجمعي يتوسع ليضمَّ أناساً أكبر حين تتحدث عن نمط الحياة، عن عدم رغبتك بالالتحاق بجامعة، أو عن شغفك الإلتحاق بتخصص العربية وأنت ابن معدل التسعينات، أو عن مقتك للوظيفة، أو عن ركلك لعقد عمل في الخليج، أو فرصة للهجرة..

عن عدم رغبتك في الخروج مع أصدقائك نهاية الأسبوع، وعدم استلذاذك كنافة "عرفات"، وعدم استلطافك "أحلام مستغانمي"، وشكك في التفوق الصارخ لمحمود درويش، وتفضيلك السفر إلى جنوب إفريقيا على تركيا وماليزيا، والتزامك بالمواعيد، وكرهك للـ"بي إم" ومقتك "للسيفيا"!

العقل الجمعي يصمها بالشك إن دخلتْ الثلاثين دون زواج، وبالعار إن طُلقت، وبالريبة إن عملت في شركة كبرى، وبالهوس إن ارتبطت بأصغر منها!

العقل الجمعي ينظر إليك بالسخف إن كنتَ رساماً أو موسيقيًّا أو نحاتاً، وبالشفقة إن كنتَ صحفياً أو كاتباً، وبالتقديس والإكبار إن حملت حرف الدال قبل اسمكَ.

العقل الجمعي يشهق بشدة إن بدأتَ تطرح أفكاراً مغايرة لما اعتيد عليه، إن ناقشته في مسلماتِه الدينية/ الوطنية/الاجتماعية، إن رددتَ على حججه المصمتة، ومقولاته التي يرميها في وجهك كطوبة صماء، دون أدنى محاولة للنظر في مكنونها، إن كونت نظرتك المختلفة للتملك والعيش والاستهلاك.

هذا الدافع يغير من دقائق وتفاصيل حياتكً الشخصية واختياراتك وأنماط سلوكك.. يجب أن تشرب القهوة صباحا، وتلبس "البليزر" في العيد، و"الفيست الجلد" في الشتاء، والدشداشة لتخطب الجمعة، والبدلة الرسمية في العرس لتكون شخصاً طبيعيًّا.

يجب أن تكون مع الحكومة على الدوام فتوسم بالسحيج، أو ضدها على الدوام فتوسم بالمخرب، يجب أن تنجز معاملاتك بالواسطة، وتختلس الأموال من الدولة، وتعقد صفقات مشبوهة لتصبح ميسور الحال.

يجب أن تكشِّرَ دوماً، وتقتطع جزءاً من مصروفك للدخان، وتصفع طفلك إن تصرف على عكس ما ترغب، وتضرب الرصاص في عرس من يهمك أمره، وتشكو من تواجد السوريين وأخذهم "وظايف ولادنا" لتكون مواطناً صالحاً.

يجب أن تساير الناس في انتقائهم لمواضيعهم للحديث، وتنشر ما ينشره أصدقاؤك من مقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي، وإن لم تكن مقتنعاً بمحتواها، لئلا تبدو من المريخ.

قد تكون عقولاً جمعية لا واحداً، ربما اثنان أو ثلاثة تحيط بنا، فلا ابن الدائرة الأولى يخترق الثانية، ولا ابن الثالثة يحتك بأي من سابقتيه.. هذا عار وبشاعة!

بتصرفاتك ورضوخك للسلوك العائلي المجتمعي القبلي -عمداً أو سهواً- ساهمتَ -وما تزال- في تعزيز هذا البؤس.. في استسهالك السير في الطريق المرسوم، واسترشادك بكم من التراث الديني والاجتماعي والمقولات والأمثال والحكم التي وضعها أناس أكثر بؤساً وتعاسة، في حدود وهمية تراها أسلاكاً شائكة أو أشعة ليزر مربوطة بصاعقة ستحل عليك من السماء إن مسستها!

أرباب الأسر والعوائل خصوصاً يرون الوقت متأخراً ليخطوا خطواتهم، يشعرون بقيد عائلاتهم، في حين المنطق -لا الجمعي صاحبهم- كان قد دعا ليكون الاختيار ثم التربية على مبادئ مشتركة، ما يعني سهولة التحرك ضمن أي اتجاه، لكنهم وقعوا في سوء ما يشكون منه!

لا تكن عبدًا!
{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا}.
{وكلهم آتيه يوم القيامة فردا}.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.