المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق يوزباشي Headshot

في غربة اللاجئ السوري.. يمضي العمر معلقًا!

تم النشر: تم التحديث:

لربما من أصعب اللحظات التي قد يعيشها الإنسان هي تلك اللحظة التي يتوقف عندها الزمن، تلك اللحظة التي تتوقف فيها الكرة الأرضية عن الدوران، تلك اللحظة التي تفصله عن الحياة واللاحياة، تلك اللحظة التي يقف فيها هناك مودعاً الأهل والوطن والأحلام وأشلاء الذكريات، مودعاً كل شيء.. عندها فقط تبدأ رحلة الإنسان السوري مع "التسكيج".

فالعنوان الأبرز لعامك الأول في الغربة هو "عام التسكيج" بكل ما تحمل هذه الكلمة من تسكيج، حيث إن أمل العودة القريبة إلى وطنك لا يزال يتنفس بداخلك ويأكل معك وينام معك ويخبرك كل صباح بأنك ربما ستعود غداً أو بعد غد أو بعد بعد غد وهكذا تمر الأيام ويمضي العمر وعالوعد يا كمون!

صدقوني إن قلت لكم إن كل شيء في حياة المغترب السوري أو المهجر السوري أو اللاجئ السوري - الوصف الجديد للإنسان السوري - "سكاجة"، فالثياب التي يلبسها "سكاجة"، وكلما جاء ليشتري ثياباً يسمع ذلك الصوت يقول له: "بكرا منرجع وبتشتري من البلد"، ونومه "سكاجة" حيث إن السوري اليوم أصبح ينام ليس بغرض النوم بل ليحلم بنفسه وهو يتمشى في شوارع البلد مع أصدقائه وضحكاتهم تملأ الحي موسيقى ترقص على ألحانها جدران المباني والمحلات وبلاط الرصيف المكسور.

وعامل النظافة المتعب الذي يجلس على طرف الرصيف يتلذذ بالمجّة الأخيرة من سيجارته "الحمرة طويلة"، ليحلم بصوت أمه وهي تقول له أن يخلع حذاءه قبل دخول البيت؛ لأنها قد انتهت لتوها من التنظيف، ليحلم بأدق التفاصيل الجميلة والذكريات المفعمة بالبساطة والنقاء لتشحنه بالطاقة اللازمة لينهض في اليوم التالي مرغماً ويكمل يوماً جديداً من أيام الغربة ويرسم على وجهه معالم إنسان طبيعي.

والأحاديث التي يتبادلها الإنسان السوري أحاديث "سكاجة"، فلم يعد هناك شيء يتكلم عنه سوى الدمار والتهجير ولمّ الشمل وغرق فلان وموت عِلان من الناس، والضحكة التي يتصنعها عنوةً هي ضحكة "سكاجة" لا تتعدى كونها مؤثرات صوتية يصدرها مضطراً في بعض الأحيان كرد فعل على بعض المواقف التي تتطلب وجود مثل هذه المؤثرات.

فتلك الضحكة الصادقة التي تطرب القلب قد هجرته مع موسم هجرة السوريين إلى اللامكان، والأوكسجين الذي يتنفسه كل يوم بغرض البقاء على قيد الحياة هو أكسجين "سكاجة" دخيل لم يعتد جهازه التنفسي عليه وعلى طعمه الممزوج بظلم الغربة وطعمها المر العلقم.

وحتى تلك البوستات الفيسبوكية الخاصة التي اعتاد على رشقها كل يوم على جدران العالم الأزرق هي بوستات "سكاجة" كئيبة ملونة بلون الحزن الفاقع الذي أصبح طاغياً على كل جزء من أجزاء الحياة السورية، بوستات تنتظر هي بدورها أيضاً عودةً إلى الرحم السوري، تنتظر أن يروي عطشها كلمات عن الغزل والموسيقى والحب والفرح والشعر.

وماذا أحدثكم عن الأحلام؟ فالأحلام هي بدورها لم تسلم أيضاً من كونها أحلام "سكاجة"، فأحلام المواطن السوري وأمنياته المستقبلية لم تعد تخرجاً من جامعة ولا العثور على عمل أو فتح باب رزق معين ولا الزواج ممن نحب أو اختيار لون طلاء منزل الأحلام وغرفة الأطفال وثياب الطفل الأول، بل على العكس تماماً فأحلامنا أصبحت أحلاماً مسروقة، مخطوفة، مكبلة، مقهورة، معتقلة تقبع وحيدةً في زنزانة المنفردة الموحشة كذلك الحلم بعبور البحر دون أن يخذلنا البلم المطاطي ويردينا غرقى، أو حلم الحصول على إقامة في الدولة الأوروبية التي أسعفنا الحظ ووصلنا إليها بشق الأنفس، أو حتى حلم امتلاك خط إنترنت عالي الجودة حتى نتمكن من الاتصال بأهلنا وأحبابنا المتفرقين في شتى أنحاء الأرض دون أن تبح أصواتنا من الصراخ، خاصةً بعدما أصبحت كلمة "Online" هي الشيفرة الوحيدة التي يعرف السوري من خلالها أن من يحبهم بخير، أو أن يمضي يومٌ واحدٌ أو ساعةٌ واحدةٌ لا نسمع فيها خبراً على إحدى المحطات التلفزيونية عن موت إنسان سوري واحد!

"سكاجة" بـ"سكاجة" يقضي الإنسان السوري عامه الأول في الغربة المفروضة عليه ليكتشف تدريجياً أن ذلك الصوت الذي كان يقول له: "بكرا منرجع عالبلد" هو أيضاً صوت "سكاجة"، وأن حلمه بالعودة إلى وطنه وأهله وما تبقى من أيام جميلة هو أيضاً حلم "سكاجة" يتجرعه كل يوم كحبوب "البنادول" على أمل أن يسكن بها آلامه وأوجاعه.. ليكتشف أنه هو نفسه تحول إلى كائن "سكاجة" تائه وسط ركام "السكاجة" الذي يحيط به من كل حدب وصوب.

---
ملحوظة من المحرر: "سكاجة" باللهجة السورية تعني تسيير الأمور أيًا كانت الظروف.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.