المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق باش  Headshot

آمال وآلام الهجرة

تم النشر: تم التحديث:

ازدادت أعداد المهاجرين غير الشرعيين النازحين من الدول العربية بعد الربيع العربي. هؤلاء الذين قرروا المخاطرة بحياتهم في سبيل الخلاص من ضيق الحال، وقصر ذات اليد، وانعدام أي أفق لأن يحيوا في بلادهم عند حد الكفاف المادي والإنساني. دفعهم ظلام الظلم الاجتماعي، والنظام الاقتصادي لحكومات محدودي الدخل المتوالية، أن يروا نقطة النور في نهاية طريق مجهول تحفّه المخاطر، وتُبذل في سبيل خوضه تضحيات ثمينة من ذويهم، لتأمين المبلغ المطلوب لحجز مكان على ذلك المركب، الذي لا يعلم أحد إن كان مرساه حقًا على الجانب الآخر من الشاطئ، أم أنه سيؤدي وظيفته كمقبرة جماعية لأناس لم تسعهم أرض هذا الكوكب الجاحد.

واليوم، تُطرح فكرة الهجرة (الشرعية) في أوساط نشطاء الثورآت لا سيما في مصر، بإلحاح مغلّف بالقليل من السخرية، كطريق للخلاص مما آلت إليه الأمور في أعقاب رياح التغيير العاتية. أولئك المنتمين للطبقة الوسطى، الذين حلموا بالتغيير من أجل مجتمع أكثر إنسانية، وحملوا على أكتافهم هموم الوطن، وأجّلوا بإرادتهم أحلامهم الخاصة، وذبحوها على محراب الثورة راضين غير مرضيين.

لا أتحدث هنا عن كل من شارك في الثورات، وإنما أخص تلك الزمرة القليلة (قلّة من القلّة غير المندسة)، وغير المنتفعين ممن كانوآ في الخليج او دول أوروبا الشرقية وهجراتهم التي مرت عبر غرابيل الدنس المتوالية، التي ضاقت وما زالت تضيق حلقاتها لتميز الخبيث من الطيب. أولئك البعيدين عن النخبة، وعن الإعلام، وعن السياسة بمعناها التقليدي، المنغمسين في مختلف المبادرات المجتمعيّة والتنمويّة والتوعوية، في رهان على المجتمع وقدرته على استعادة ملكيته لوطنه. تراهم اليوم يعانون آلام الهزيمة جراحًا غائرة، مُنهكين مُشتتين، مُحاصرين كما حوصر الحسين في كربلاء، غير أن الحسين قد استشهد، أمّا هم فقد تُركوا ليشهدوا اغتيال المُثل والحلم والإنسان، بعدما فسدت ثمرة الميادين، وحل الاستبداد الجديد.

ليس من باب السخرية أو المبالغة القول بأن مهاجر النوع الأول (غير الشرعي) يتمتّع بالكثير من المزايا المعنوية التي يفتقدها مهاجر النوع الثاني. فالنوع الأول لا زال يرى نقطة من نور في نهاية النفق المظلم، وغالبًا ما تكون نقطة النور تلك بحجم شمس الشموس في عينيه. تراه يبالغ في تقدير مردود مغامرته إن نجحت المحاولة، ويحاول دائمًا استدعاء تجارب من سبقوه في الطريق ووصلوا لمرادهم، وهي في الغالب تجارب أناس لا يعرفهم ولا يعرفونه، ربما يكون قد سمع عنهم في "سوق الهجرة غير الشرعية"، فقرر تصديق ما سمعه حتى يكبر حلمه ويعظم أمله. يا لذلك الأمل المولود من بطن العوز والبؤس!

إن هذا المهاجر شجاع، قرر أن يأمل الخير في محاولة بائسة، وأن يضع فيها كل ما تبقى لديه، بل إنه استغنى لأجلها عن كل ما تبقى لديه، لأن ما تبقى لديه هو ألا يفعل شيئًا سوى انتظار الموت في مقابل أن يموت وهو يحاول.

هذا المهاجر لم يكن يريد أن يغير الدنيا، ربما تمنى ذلك مرة أو مرتين، عندما قام مسؤول سفارة الدولة الأوروبية بطباعة ختم الرفض على جواز سفره، أو عندما غدر به (المهرب) أو عندما قررت والدته بيع ما تبقى لها من مصاغ. في النهاية، كان هذا المهاجر يحمل همه الشخصي وهموم من يعوّلون عليه من أهله وأحبائه، كان هدفه أن يحيى وأسرته حياة كريمة، وهو هدف نبيل وحق أصيل، ولكنه لم يكن في أي لحظة سفيرًا للخير في صراعه الأبدي مع الشر على المستوى العام، رغم كونه تجل واضح من تجليات هذا الصراع، ونتيجة من نتائجه التي انحازت مؤخرًا لصالح الشر في بلادنا.
والخير آت آت ﻻ مناص عنه وﻻ شك فيه.

في المقابل، يفتقد مهاجر النوع الثاني لكل ما قد سلف، تأخذه الهزيمة بعيدًا رغمًا عنه، تأخذ جسده وتترك روحه معلّقة في وطنه بين الأرض والسماء، بين زملاء الكفاح، والمواطنين المطحونين، والشر العابث بمقدّراتهم، وبين أرواح من ارتقوا في سبيل القيم.

ينسحب نهائيًا من معركة الخير والشر، ويلجأ لأرض جديدة يحاول فيها أن يتعلّم دوره الجديد عليه بالكلية: أن يعيش حياة المحايد، وأن يصبح تجل جديد من تجليات الصراع السرمدي بين الخير والشر، بعد أن كان هو ذاته طرف أصيل في هذا الصراع. هذا هو الدور الوحيد المقرر له، فنحن لم نقرأ في التاريخ عن خلاص جاء على يد مناضل نفى نفسه اختياريًا، وابتعد طوعًا عن ميدان المعركة، يجر ما تبقى منه جرًا. نعم، هو نفي اختياري يعيد إلى أذهاننا عقوبة (النفي الإجباري) لزعماء كثر على مر التاريخ، ويتيح لنا فرصة تذوّق مرارة تلك العقوبة التي لم أكن أفهمها في الصغر.

لست بصدد إطلاق الأحكام أو تعميم ما هو خاص، ولا أقصد قطعًا التهوين من معاناة مهاجري النوع الأول، أو تحميل مهاجري النوع الثاني بأكثر مما يمكنهم تحمّله، فكلاهما أرغم في النهاية على خوض الطريق الصعب، وكلاهما انتمى لأوطان طاردة للأحلام. بيد أن ثمة فرق واضح بين من ترك الوطن سعيًا وراء المستقبل، ومن تركه طلبًا لنسيان الهزيمة، فالأول تعتريه آمال وآلام، أما الثاني فلا تحركه سوى الآلام، وهو فرق يشكك في معايير مشروعية الهجرة التي تحددها القوانين الدولية.

وهنا يبقى سؤال لأوطان الذل والمهانة: ترى أي الهجرتين أكثر مشروعية إن نحن جنّبنا رأي القانون الدولي؟