المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق باش  Headshot

ما العمل لبناء الشخصية الإسلامية الأصيلة؟

تم النشر: تم التحديث:

الأمم ليست أعداداً وجغرافيا فقط، ولا مؤسّسات سياسية وثقافية واقتصادية فقط، ولا جيوشاً ولا أسلحة فقط، الأمم قبل ذلك مبادئ وقيم، المبادئُ والقيم هي روح الأمّة، وهي التي تصنع إرادة الأمّة، وتكوّن شخصية الأمّة.

إن أمّة تتأسّس شخصيتها على المبادئ والقيم النبيلة والأخلاق النبوية الكريمة، تكون بلا ريب أمّةً قويةً، واثقةً بذاتها، متفوّقةً، قادرةً على مواجهة الأخطار، رافضةً للاحتلال والعبودية والتبعية بكل أشكالها.

فعلى ضوء ما سبق، تُرى ما حال الشخصية الإسلامية المعاصرة؟

التصنيف الفردي للمسلم:

أخطر ما قام به محتلّو البلاد الإسلامية، خلال أكثر من قرن، هو تخريب شخصيتنا الإسلامية الأصيلة، وللتوضيح، دعونا نستعرض التصنيف التالي:

1 - المسلم الأصيل: نبيلٌ في مواقفه سلوكه، مرتبطٌ بأمّته وعياً ورؤيةً وقِيَماً وقولاً وعملاً ومشاعر ومصيراً، ويوظّف قدراته في سبيلها بإخلاص.

2 - المسلم الأحمق: حامي الرأس، أهوج، ينجرف مع الحسابات الشخصية أو العائلية أو القَبَلية أو الحزبية، ويقدّمها على المصالح العليا لأمّته.

3 - المسلم المغفَّل: رؤيتُه قاصرة، تفكيرُه ساذَج، تفسيرُه للمشكلات سطحي، يخطئ في ترتيب الأولويات، ينشغل بالفروع ويهمل الأساسيات.

4 - المسلم الجاهل: متخلف، يجهل هويتَه وتاريخَ أمّته وتراثَها وثوراتها وتضحياتها، يعيش خارج الانتماء الديني الحقيقي.

5 - المسلم المتخاذل: غيرُ مهتمّ بقضية تحرير الأمة، ولا يدافع عنها بقول أو بكلمة يكتبها، أو بفلس يدفعه، أو بكفاح في ميادين القتال.

6 - المسلم الانتهازي: غارقٌ في أنانيته، يرى أمّته من خلال ما يَكسبه من مال أو منصب، غيرُ مهتمّ بعذابات شعبه وقضية تحرير الأمة الإسلامية.

7 - المسلم الممسوخ: منسلخٌ من هويّته، متنكّرٌ لأمّته قولاً وعملاً، لم يَعُد مسلماً لا في رؤيته، ولا في تفكيره، ولا في قيمه، ولا في مشاعره، وﻻ في دينه وثقافته.

ولم نختلق هذا التصنيف من الوهم، وإنما كوّناه من مصدرين، هما أحداثُ تاريخنا منذ ما يقارب القرن، والواقعُ المعاصر، ومعروف أن كلّ تصنيف ينبغي أن يتمّ بناء على معايير محدَّدة، وقد أقمنا هذا التصنيف وفق معيارين:

1 - القِيَم السامية عامّةً (نُبل، شجاعة، فِداء، إخلاص.. إلخ).

2 - القِيَم التي يحتاجها المسلم للانتصار في معركة التحرير.

والحقيقة أن حالة الهزيمة التي نعيشها دليل على أن نِسبة المسلمين الأصلاء في مجتمعنا قليلة، ونِسبة المسلمين من النماذج الأخرى هي الغالبة، وهؤلاء مشاركون في صناعة حالة الهزيمة، وكانوا -وما زالوا- أكبر عَون للمحتلين، وأخطر عقبة في طريق المسلمين الأصلاء المكافحين لتحرير أمتنا الإسلامية، وهم أكبر بلاء على الأمّة، فكيف نعدّل هذه النسبة؟ وكيف نبني شخصية إسلامية أصيلة؟

بناء الشخصية الإسلامية:

لبناء شخصية إسلامية أصيلة ينبغي إنجاز ما يلي:

1 - امتلاك المعرفة: "إذا ما توقّعتْ أمّةٌ أن تكون جاهلة وحرّة فهي تتوقّع ما لم يَحدثْ ولن يحدثَ قطّ"، وما أحوجنا -نحن المسلمين- إلى المعرفة! لكن أيّة معرفة؟ المعرفة المؤسَّسة على الواقعية والعلم، لا على الوهم والخُرافة، فبالمعرفة يتمكّن المرء من اكتشاف ذاته، وتحرير شخصيته من قيم الانحطاط والهزيمة.

إن مسلماً جاهلاً لن يتمكّن من اكتشاف ذاته، ولن يقدر على تحرير شخصيته، إنه على الدوام عُرضة للوقوع في قبضة الحماقة، أو الغفلة، أو التخاذل، أو الانتهازية، أو الخيانة، وما أكثر الأمثلة على ذلك في تاريخنا!

2 - امتلاك الثقافة الإسلامية: (علوم، تاريخ، فقه، لغة، أدب، ميثولوجيا، فولكلور.. إلخ)، إنك بثقافتك الإسلامية تتوحّد بأمّتك، تعرف جذورك في التاريخ على امتداد ألف وأربعمائة عام، وتفكّر في مستقبل أمّتك على مدى ألف عام قادم، تشعر أنك مرتبط بها، ومسؤول عنها، ومُطالَبٌ بتقديم فاتورة نضالك لأجيالنا القادمة.

إن مسلماً جاهلاً بثقافته الإسلامية مسلم بلا جذور، مسلم بلا هوية إسلامية، مسلم بلا إرادة حرة، مسلم بلا مشروع إسلامي، ويسهل على المحتلين اصطياده وتسخيره لأغراضهم الاستعمارية.

3 - رفض ثقافات المحتلين: لم يكتفِ المحتلون بتشويه جزء من ثقافتنا وديننا، وتغييب الجزء الآخر، وإنما فرضوا علينا ثقافاتهم الظلامية أيضاً، وخصوصاً عبر المشاريع والأفكار والحركات والأحزاب والجمعيات والمنظمات والمؤسسات والأنظمة والتيارات.

وبعد أن احتلوا أوطاننا بأسلحتهم سلّطوا علينا ثقافاتهم، لاقتلاعنا من جذورنا، ومَسْخنا مسخاً كاملاً؛ لذا من الضروري جداً التحرّرُ من ثقافاتهم، فكلُّ مسلم واقع تحت سلطة ثقافاتهم لا يمكن أن يبقى مسلماً أصيلاً مهما رغب في ذلك، وكذلك حالنا، فنحن نخسر مع ثقافات المحتلين هويتنا.

4 - الاقتداء بعظمائنا: رغم تخريب شخصيتنا الإسلامية، أنجبت أمّتنا العظماءَ في كل مرحلة من مراحل تاريخنا، هؤلاء جسّدوا قيم الشجاعة والبطولة والإخلاص والفداء، وتوحّدوا بأمّتهم.

وكما ظلّت قمم جبالنا شامخة، وظلّ وطننا يُنبت النرجس مع كل ربيع، وظلّت راياتنا عالية، ظلّ عظماؤنا أيضاً يُشرقون في تاريخنا الإسلامي جيلاً بعد جيل، وبتضحياتهم أبقوا أمّتنا واقفة على أقدامها وسط الأهوال.

5 - ممارسة النقد الذاتي: قال أحد الحكماء: "النبيل يبحث عمّا في نفسه، أمّا المنحطّ فيبحث عمّا في غيره"، فانظر من أنت؟ هل أنت مسلم أصيل؟ أم أحمق؟ أم مغفّل؟ أم جاهل؟ أم متخاذل؟ أم انتهازي؟ أم ممسوخ؟

إن مجرّد بحثك عن ذاتك، وقدرتِك على تصنيف نفسك، يعني أنك استيقظت، ووضعت قدمك على الطريق الصحيح، واسترددت وعيك الإسلامي، وُلدت من جديد، ومن المحال حينئذ أن تبقى خارج أمّتك وخارج مشروعها التحريري.

يا شعبنا.. الأحزاب، والشعارات، والأموال، والمقاتلون، والأسلحة، غيرُ كافية وحدها لتحرير الأمة الإسلامية، العاملُ الأكثر أهمية هو الشخصية الواعيةُ لهويتها، الملتزمةُ بإنسانيتها، الغيورةُ على دينها وعزتها وكرامتها، المدافعة عن وطنها ببسالة وبلا حدود.

بشخصية كهذه تصبح بقيّة العوامل مؤثّرة، وهي الضمان لانتصار مشروعنا الإسلامي التحريري.

إن مسلماً يجهل هويته الأصيلة كيف يمكنه الدفاع عن أمّته ووطنه؟ وإن مسلماً يعيش بفكر الهزيمة كيف يمكنه أن يصنع النصر في حربنا الطويلة مع الاحتلال؟ وإن مسلماً لم يتحرّر من ثقافة العبودية كيف يقدر على تحرير أمته الإسلامية؟ وإن مسلماً هيمنت عليه قيم الانحطاط كيف يمكنه اتخاذ المواقف البطولية؟

الشخصية الأصيلة هي التي تُولد القائدَ العظيم، والسياسي العظيم، والمقاتلَ العظيم، والمفكّرَ العظيم، والأديبَ العظيمَ، والمعلمَ العظيم، والفلاحَ العظيم، والعاملَ العظيم.

وطوال تاريخنا كان المسلمون الذين خسروا أصالتهم من أهمّ أسباب فشل ثوراتنا، من بينهم نبت الحمقى، والمغفَّلون، والمتخاذلون، والانتهازيون، والانهزاميون، والخونة.

فلنجعل بيوتنا، ومدارسنا، وجامعتنا، ومؤسّساتنا، ومعسكراتنا، ومجالسنا، ودراساتنا، ورواياتنا، وأشعارنا، ، وأناشيدنا، وأزياءنا، ورموزنا، وراياتنا، وشعاراتنا، وأسماءنا، وإعلامنا، ومواقفنا، ساحة لبناء الشخصية الإسلامية الأصيلة.

ومهما يكن فلا بدّ من تحرير الأمة الإسلامية!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.