المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق باش  Headshot

ثلاجة الموتى أكثر دفئاً منك يا وطني

تم النشر: تم التحديث:

باردٌ وموحشٌ، رغم شموسك المذابة كالمعدن وحقولك المنثورة.. باردٌ كقلب أمّ باردٍ حين تكره أبناءها.. مرٌّ كأحشاء ضبُعٍ تأكل صغارها.. ألقي عليك بصري لا كالرداء، ولكن سؤال يلقيه البصرُ في لجّة عمائه، فلا أصطاد فيك إلا الوحشة، ولا أنهل منك إلا الضياع.

أي طريقٍ تسلك بنا أيها العمى؟
ثم أنسى، كالنبع، لا ذاكرة له، أجري في ساقيتك ماءً غافلاً، وأرشح كالطين فوق جسدك، ثم لا تنسى، تفرش طريق العطش بسلالم الشوك، ولا ترضى حتى أشرب.. نائمٌ الآن، وكم تبدو وادعاً رغم كل شيء!

ولكنني حين أنظر إلى ظلالك المقصوصة بسكين الضوء، أرى ما يمكن أن تكونه حين تفتح عينيك.. حمراء تفتحهما دائماً.

باردٌ وموحش وأناديك.. مرّ وأمسح عليك.. ما أفعل بالبحر وقد علمني الغناء، لا الغرق.

ما أصنع بالنخلة التي ألقت جسدي ظلاً فوق جلدك المطلي بالشمس والغبار، وما حيلتي ولحمُك اعتاد طعم البارود والدم والدموع والصدأ، فلتنم إذن، ولكن خذ ظلّك بعيداً عن لغتي، خذ صوتك بعيداً عن صمتي، خذ عينك بعيداً عن موتي، ثلاجة موتى أدفأ من قلبك يا وطني، تقدموا، وانظروا معي، كم هي شابة ومبتسمة كينبوع، طرية مثل يد الصلاة، صادقة ومتواضعة كخبز فوق مائدة العائلة، تقدموا، وانظروا معي، إلى البطولة اليوم، ما يفعل القلب المفجوعُ يا صديقي، ما يفعل القلب ذو الغياب، ما يفعل القلب الخجلان، ما يفعل القلب الآسي، ها هم يجدونك إذن، بعد ساعات من الصاعقة.. جسدك المتناثر، ما زال خائفاً، يركضُ، حاملاً الموت بعيداً عن الناس.

قل لنا: ما يفعل القلب المفجوع يا صديقي، حين يحمل موته ويمشي به.
كنت تختبئ، مغمضاً، في الغياب، ربما كنت خجلاً، أن يكون هذا الحزن ثقيلاً على جسدك المتناثر، أخبرني يا صديقي عن الطريق حين يكون قلباً خائفاً، ثم أخبرني عن الصديق الذي خرج في الظهيرة، عن الشمس التي تعطّلت عقاربها فوقه، عن الطفلين، عن ساعة البيت التي لم تعد تعمل، من يُطعم الوقت يا صديقي في غيابك؟!

يا عصافير الشام إنني أفضل أجنحتكِ على كل المنافي والأوطان، وصوتكِ على الخبز..
نعم، غادرنا وتركنا العصافير تموت مع الأيام، مثل أطفال الملاجئ دون حبة قمح أو سقيا ماء..

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.