المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق السادة Headshot

شغف المتابعين وضعف المحتوى

تم النشر: تم التحديث:

ظاهرة بدأت بالانتشار بشكل كبير مؤخراً في عالمنا العربي، وهي شغف الكثير من أفراد المجتمع؛ ليصبحوا من المشاهير على شبكات التواصل الاجتماعي، فتارة تجدهم يستخدمون الفكاهة المبتذلة بهدف كسب المتابعين، وتارة أخرى تجدهم يتحدثون في شتى القضايا والمحاور وادعاء الخبرة في كل المجالات، والأدهى والأمرّ هو الذي يقوم بنشر يومياته على شبكات التواصل الاجتماعي، دون احترام عقلية المتابع ووقته، ناهيك عن احترام ذاته وخصوصيات حياته.

نعم، هنالك من يقوم بنشر محتوى متميز وثقافي مفيد، ومنهم من يتكلم في مواضيع تخصصية كالإدارة والتسويق والتربية وغيرها من المواضيع والتخصصات، ولكنهم قلة مقارنة بالآخرين، وهو الأمر الذي يثير القلق خاصة من ناحية تأثر المجتمع بمثل هؤلاء، فقد وجدت من خلال تجربتي كمتخصص في الإعلام أن شبكات التواصل الاجتماعي تلعب دوراً محورياً في صناعة وعي الشعوب، وأنه يمكن بشكل فعّال التأثير على الرأي العام إن كان الأمر ممنهجاً ومدروساً.

فهل أصبح عالمنا العربي يميل إلى الترفيه والعموميات على حساب الثقافة والمعرفة؟ لا أعتقد؛ لأن مجتمعنا لا تنقصه العقول النيرة والأمثلة على ذلك كثيرة، فكل يوم نسمع عن نجاحات العرب في الشرق والغرب، ولكن يبدو أن كمية المحتوى الفكاهي والعام الكبيرة قد طغت على ذلك.

ولكن لنأخذ الموضوع من منظور مختلف، هناك من يريد الحصول على الشهرة بأي شكل كان، حتى وصل به الحال إلى شراء المتابعين الوهميين، وهي نقطة ما زلت لا أفهمها؛ حيث إنه على علم أن هؤلاء المتابعين هم غير حقيقيين، ولا يوجد أي تفاعل نوعي منهم، ومع ذلك يدفع المال لشرائهم، كل ذلك لإيهام نفسه أنه مشهور ولديه متابعون، وكذلك لإعطاء صورة لأي شخص يمر على حسابه بأنه مشهور ويملك الكثير من المتابعين، وبذلك يقوم بمتابعته.

الأمر الذي يجهله الكثير من هذه النوعية من البشر أنه قد يتابعه اليوم ثلاثة أشخاص مثلاً، ويقومون بإلغاء المتابعة بعد مدة قصيرة عند اكتشافهم أنه لا يقدم أي محتوى مفيد وملائم لهم، وبذلك يكون عنصر الشهرة مؤقتاً وشبه معدوم، وذلك لانعدام المتابعين الحقيقيين لذلك الشخص.

نحن نعيش في عالمنا العربي أزمة محتوى، ولا نجد هذه الأزمة على شبكات التواصل الاجتماعي فقط، بل وجدناها قبل ذلك في الصحف المطبوعة وبرامج الإذاعة والتلفزيون، وهذا الأمر الخطير يجب الالتفات له عاجلاً ومعالجته حتى لا يصبح الأمر اعتيادياً لدى أفراد المجتمع، وجزءاً من حياتهم الخاصة، وعندها لا ينفع البكاء على اللبن المسكوب.

نحتاج لحل ذلك إلى حلول عملية، وتحرّك قوي ومدروس لمحاربة هذه الآفة التي قد تتحول إلى كارثة إن أُهملت.

الكثير منا شاهد من حين إلى حين حملات إعلامية تهدف إلى نشر المحتوى المفيد في كافة وسائل الإعلام المختلفة، ولكن بانتهاء الحملة نجد أن الأمر عاد كما كان، ولذلك عدة أسباب منها غياب الاستمرارية وفي بعض الأحيان عدم دراسة الجمهور المستهدف بشكل كافٍ ودقيق ومعرفة طرق التأثير عليه وقنوات التواصل معه، وبذلك يكون التأثير ضعيفاً نوعاً ما، أو قصير الأمد، ولذلك نحن نحتاج إلى دراسة المشكلة بتأنٍّ والتعرف على جوانبها المختلفة، ومن ثَمَّ وضع خطة محكمة وطويلة الأمد ومتنوعة لمعالجتها، وأنا على يقين أن هذا هو أحد الحلول التي ستنجح بإذن الله، حيث قامت العديد من الدول الغربية بمواجهة مشاكل مجتمعاتها بهذا الشكل، واستطاعت أن تغير من سلوكياتهم السلبية وتحويلها إلى إيجابية.

علينا تشجيع المبدعين أصحاب المحتوى الهادف، والاستفادة من قوة شبكات التواصل الاجتماعي وتأثيرها بدفع المحتوى الثقافي المفيد، وقد بدأت بعض الشركات وكذلك الأفراد بذلك بالفعل، ولكن على الحكومات والجهات المعنية تقديم كامل الدعم والتشجيع لهم، وكذلك تحفيز البقية لتحذو حذوهم، لأن مستقبل الأمة مرتبط بالعلم والتعليم والثقافة، وإن غاب العلم، غاب العقل وغاب العمل.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.