المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق أحمد رفيق Headshot

مراحل اختراع "الحب"!

تم النشر: تم التحديث:

هل الحب هو حالة أم حاجة فسيولوجية نفسية جسدية؟ ومَن المسؤول عن ذلك الشعور؟ وهل هو بناء عاطفي بحت أم عقلاني مختلط؟

في الحقيقة -من وجهة نظر علمية- فالعضو البشري الذي نسميه اصطلاحاً "القلب" لا علاقة له بالموضوع لا من بعيد ولا من قريب، وإنما اُتهم ظلماً بمسؤوليته عن وجود الحب، بينما في الواقع يقتصر دوره على أعراض جانبية بناء على التنبيهات الواردة من الدماغ فقط لا غير.

الحياة والتجارب الإنسانية ترسم أشكالاً متنوعة في تفنيد أسباب الحب، وتدعم بشكل واضح المقدمة العلمية الموصوفة أعلاه، ودعونا نذكر بعض هذه الحاجات من وجهة نظر علمية واجتماعية، ونصف مسبباتها، ونصوب صحة اتخاذ القرار فيها:

الحالة الأولى: المرحلة العمرية (20 - 24 عاماً)

نجد الميول تتجه نحو شيء جديد ومحرم سابقاً (هذه الحالة ربما تنحصر في مجتمعنا العربي)، فنحن نلاحظ أن معظم مجتمعاتنا تعاني من الانغلاق ومنع الاختلاط، إلا في سن معينة، أو ربما منع الاختلاط بشكل نهائي، وهنا ينتج حالة من الكبت الهرموني الجسدي والنفسي، مما يجعل الشبان يندفعون بطريقة غير منظمة وغير مدروسة، ويكون التحفيز الدماغي عالياً جداً للانجذاب، في حين يكون التحليل الدماغي في أدنى حالاته، فيكون الحب هو ذلك الفعل الغريزي تجاه كائن مختلف جسداً، مع إغفال تام للجانب العقلي للكائن الأنثوي، وطرائق التفكير والتفاهم، وتبدأ العلاقات بإطلاق تسهيلات لا منطقية بغية الوصول إلى الهدف، هذه الحالة تمثل ذروة الفشل التخطيطي مع كامل احترامنا للنماذج الناجحة.

الحالة الثانية: المرحلة العمرية (25 - 29 عاماً)

تبدأ بعمر أكثر نضوجاً، وميول مختلط جنسي ونفسي، ويبدأ الفرد في محاولة المفاضلة بين متطلبات النفس والجسد، ونميز في هذه الحالة وجود نوع من الدراسة بين الطرفين، كالتعارف والصداقة والخطوبة لفترة زمنية تساعد على التمايز الأفضل، هذه الحالة قد تبدو أفضل من خلال وجود عنصر تحليلي دماغي نوعاً ما، لكن مع الأسف يلعب الجانب النفسي والشعور بالوحدة والحاجة للطرف المختلف وبروز العادات والتقاليد والإرشاد غير الصحيح تحييد للجانب التحليلي، ومنه قد تنتج حالات أيضاً فاشلة بسبب وجود الظاهرة العلمية بشكل شكلي، وليس حقيقياً بنسبة عالية.

الحالة الثالثة: المرحلة العمرية (30 - 34 عاماً)

تتضح في هذه المرحلة الدراسة المكثفة للجانب الآخر، ويبدأ الوعي في اختلافات الطرفين الفكرية والمعنوية والاجتماعية، وتبدأ الفكرة الجنسية والجسدية كجانب من عدة جوانب، وليس عاملاً أساسياً كما في المرحلتين السابقتين، المشكلة الأساسية في هذه المرحلة تكمن أحياناً بوجود جانب أو طرف غير صادق، يجمل النواحي الفكرية، ويبدي مرونة غير موجودة لتقبّل أفكار الآخر، ويبدو النقاش بمعناه الحقيقي ناجحاً؛ لأنه يوحي بالوصول إلى نتيجة مفيدة ومرضية للطرفين، وهنا أم القصيد في فشل العلاقة لاحقاً، لكن لا نغفل وجود أفراد فعالة وواعية في الدراسة الدماغية لخلق حالة الحب أو خنقها مبكراً.

الحالة الرابعة: المرحلة العمرية (35 عاماً فما فوق)

هنا يبدي الطرفان نوعاً من الاكتفاء الجسدي والوعي بوجود بدائل للحاجات الجسدية، قد تجعل الجانب التحليلي الدماغي يبتعد عن فكرة النقاش والحوار مع طرف آخر غير منسجم، ويمايز بشكل فعال حالات النفاق الاجتماعي، ويعي حتمية الخلاف بين الطرفين فسيولوجياً وعقلياً واجتماعياً؛ لذلك نشهد حالات عزوف عن الزواج، إما لعدم تقبّل المغامرة غير الواضحة المعالم أو عدم الرغبة في تحمل المسؤولية عن النتائج اللاحقة، إلا في حالات استثنائية، تكون فيها درجة التفاعل بين الطرفين واضحةً وبينةً وحقيقيةً، بسبب تفوق الجانب الفكري والعقلاني للعلاقة، الذي يميز جيداً صدق هذه الجوانب.

وكنتيجة نهائية فإننا على قناعة بأن الحب فعل ذو منشأ دماغي بحت، تتلاعب جوانبه التحليلية بحسب المراحل العمرية المقسمة سابقاً؛ لذا ننصح شباننا وشاباتنا بالتركيز على الحالتين الثالثة والرابعة، لما فيهما من ضمانات نسبية أعلى للعلاقة، ومن جانب آخر نؤكد أن لكل قاعدة شواذاً، كما نقدر الجوانب الدينية لوجهات النظر الأخرى، لكننا هنا نفنّد مراحل اختراع "الحب" من ناحية تحليلية علمية بحتة.