المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق أحمد رفيق Headshot

لماذا شعوبنا العربية شعوب مهزوزة؟

تم النشر: تم التحديث:

سؤال قد تبادَر لكثيرين وألحّ عليهم: لماذا نحن دول عالم ثالث؟ ولماذا هذه الفجوة بيننا وبين دول العالم الأول؟

لماذا وضعوا بيننا عالماً كاملاً وغير محدود، مختفياً وغير معلوم وهل هو عالم وهمي؟ أم عالم قائم فعلاً ونحن لا نعلمه أم أن درجة الازدراء والتخلف التي تشوبنا قد صورت لدول العالم المتقدم أننا بحاجة إلى أن نعيش عالمين لكي نصل إليهم؟!

في الواقع فإن هذا السؤال مُرهق نفسياً قبل أن يكون مُتعباً فكرياً في أبعاده السطحية عامةً والعميقة خاصةً، لكن يبقى الأساس في الأمر أننا لماذا وصلنا إلى هذا؟!

علّ البعض يرى ويقول إن التاريخ كان مختلفاً وكان لنا أمجاد وصولات وجولات، وبغض النظر عن أن التاريخ هو ملكٌ لكاتبيه، فإن التاريخ يبقى رهن الماضي سواء المجهول أو المعلوم حتى؛ لذا فلنبقَ في الربع القرن الحالي وكفانا نظراً إلى الوراء الذي أخذنا معه على ما أعتقد!

لا بد لنا من التفكير بالسياسة التربوية وطريقة النشأة التي أرسلتنا إلى درب الانحدار الحضاري الهائل الذي ما زلنا نسلكه إلى الآن، فأنماط التربية العربية ترتكز في غالبها على العديد من النقاط السلبية القاتلة في نواة كل أسرة عربية ولعلّ أبرزها:

- إخماد الثقة بالذات بمختلف الطرق، وذلك بالمقارنات غير المتكافئة ومعالجة الاندفاع بالإحباط خوفاً من الفشل، بل ويتعدى ذلك إلى التهديد بالفشل قبل البدء بكل محاولة، بدلاً من الحض على المثابرة وراء كل تجربة فاشلة.

- الإرهاب النفسي العائلي مع الكثير من الخوف بتلك الحدود الضيقة الشائكة - الوهمية - لكل طرح من قبل الأبناء ناهيك عن الاضطرابات الزوجية التي تفرض استمرار الحياة من أجل الأبناء أحياناً، بينما يكون الشحن المستمر بين الطرفين نموذجاً عكسياً وسيئاً لإغلاق أفق الأبناء.

- البناء السيكولوجي المضطرب للأطفال، فمن منا لا يذكر في طفولته وأقصد هنا الطفولة المبكرة جداً من 5 إلى 10 سنوات وهو يحمل الأسلحة البلاستيكية أو المفرقعات على شكل أصوات القنابل أو يلهو في قتال وتمثيل دور القاتل والمقتول بين الأطفال منذ نعومة الأظفار!

- أخيراً وليس آخِراً الاختيار بالنيابة، فالكل يعزل شبابنا بحجة أنه لا يعلم ولا يجيد الاختيار، وبدلاً من إرشاده إلى طرائق التفكير السليم يقوم بقمعه والاختيار عنه ابتداء من طريقة ملبسه وصولاً إلى تخصص عمله المستقبلي وزواجه أحياناً!

وكنتيجة بديهية إلى جملة هذه الوسائل الفاشلة في التأسيس النفسي والفكري نجد أجيالاً متعاقبة تكرر نفس أنماط وأعراض القصور الذهني عبر ما يلي:
- التفاخر بلا شيء! وذلك لإثبات ذات غير موجودة أساساً وتعتمد طريقة التهويل والتضخيم من أي شيء للبرهان على إنجاز غير موجود!
- إنشاء قواعد حياة وهمية وروايات حياتية مبنية على الكذب وجعل هذا الأخير منصة لتغطية الشخصية الهشة التي لا تملك وسائل النجاح العلمي.

- غرس معتقدات نفسية ساذجة ومتخلفة تتعمق تدريجياً وتحجم الفكر المنطقي ليحل مكانه فكر مشبع بقصص الحسد والشعوذة والإيمان بها كذريعة أساسية لتبرير جميع أسباب الفشل والاستسلام.

- صعوبة التأقلم مع المجتمعات العملية بحكم قواعد البناء التراكمي القائمة على صقل الشخصية بجميع وسائل البلاغة والفصاحة الكلامية الخيالية والإنشائية والتبريرات الساذجة والكاذبة أحياناً والبعد الكامل عن الجانب التطبيقي الجدي كما أسلفنا.

خلاصة القول: إن التغيير في المسلك التربوي العربي يحتاج إلى عملية نسف حقيقية وليس الاكتفاء بعملية مراجعة وترتيب، وكذلك البدء بالإعداد الكامل لطرق تربوية علمية مدروسة ومبتكرة وصولاً إلى بناء جيل أول جديد مخصب بالمعرفة العلمية والعملية والثقة بالذات؛ لينتج عنه أجيال سليمة قادرة على ردم هذه الفجوة العملاقة التي رمتنا إلى عالم ثالث قد ينحدر بنا إلى عوالم أخرى أسوأ بكثير من خلال ما نشهده اليوم من سياسة هدم كاملة للمجتمعات العربية المهدمة أصلاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.