المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق أحمد رفيق Headshot

جناح "جبريل"

تم النشر: تم التحديث:

في سحاحير الغربة، هنا في هذه الغرفة الحقيرة، قضيتُ معظمَ الأيام، رسمتُ آلاف الأحلام.. وداخل تلك الخزانة المهترئة، بنيتُ مساكن للكُتب وقصوراً للباس، وبين سُعال الجوارير تناثرت الحبوب في كل مكان من المسكنات والليكسوتانيل! فالليكسوتانيل ضرورة ملحة للعيش في هذا الوطن المضطرب والقلق.

يقولون إن الغربة كربة، أنا لست مع هذا التوجه أبداً؛ فالغربة هي مرحلة سيكولوجية إلى أن يتعود الإنسان وتصبح الغربة وطناً والوطن يمسي غريباً.

بعد صراخ السرير وآهات الخشب القديم، نهضت لأستقبل زوّاري من الأصدقاء الذين يشاركوني المكان والزمان.

أُفعمتُ بالأسى عندما روى لي صديقي الزائر قصص عائلتهم إبان النكسة الفلسطينية وكيف تشردوا ونُقلوا مع حقائبهم على ظهور الشاحنات وارتموا بين البلدان العربية الممزقة أصلاً بين القومية الكاذبة وصدأ الوحدة العربية، وضاعت طموحاتهم بين لقمة العيش والنهم لالتقاط فرصة للهروب من ريح الوحل التي أحلت بهم.

أما المحظوظ، فهو الذي ارتطم في جدران الدول المتقدمة بحثاً عن هوية مرموقة بعد أن وصلت الدول العربية المتخلفة لحد لا تمنح العربي اسمها الأجرب! حتى وإن أقام فيها عمق الأذل وطول الدهر! في حين أنّ دولاً ذات نهضة وبغير دين وثقافة وعرق تمنح جنسياتها المرموقة.

ورحل صديقي الذي يحمل الجنسية الأميركية مودِّعاً وفي ملامح وجهه قرف من العروبة وشيميها الكاذبة.

وفي اليوم التالي، ومن محاسن الغربة التي تستقطب باقة من كل الجنسيات، طرق بابي صديق عراقي، وكالعادة اشتعلت في قلوبنا حوارات البلاد والعباد، واسترسل صديقي في الحديث عن سياسة العراق والحروب الدائمة، التي أنهكت شعباً بات أبرز أحلامه الاستقرار والعيش ولو على شق تمرة أو علبة بيض!

ومع سقوط بغداد ونرجسية الحكم وعقدة العظمة، ضاع العراق بين ثأر دول وطمع دول أخرى في خيراته.

ولعلّ الواقع السوري يُظهر جلياً، أن التاريخ ليس هو من يعيد نفسه؛ بل نحن الذين لا نعي لا تاريخ ولا حاضر ولا مستقبل، لا تسوقنا الأقدار؛ بل نحن من لا نقدّر إلا الكيد للآخرين، وبدل أن نُجمِّل نُشوِّه، وبدل أن نخطط نُطلق العنتريات التي تأخذنا أمواجها غير المحسوبة إلى أرذل العمر!

وبنظرة بسيطة وغير معمقة، نتبين أنَ شعوبنا ضحية تربية بدأت منذ قُرابة نصف قرن، اعتمدت سياسة التجويع والتخويف وتمزيق المجتمع بأسوأ العادات؛ من رشوة وسرقة وكراهية الآخر، إلى أن وصلنا إلى شعوب جاهلة ضعيفة نفسياً وأخلاقياً، سوداء القلب والروح لذا يسهُل اختراقنا وشراؤنا من قِبل دول عظمى أو حتى ناشئة.

وبعد تنهيدة طويلة، يبحث كل واحد منا في هذا الشتات عن الحل العجيب لهذه الدول المنكوبة علمياً وأخلاقياً واجتماعياً والتي لا نملك فيها إلا مفاتيح البيوت المهجورة.

ربما الحل الأفضل بجناحٍ من "جبريل" يقلب فيه أرضنا عاليها سافلها، فنحنُ اليوم لسنا أكثر شرفاً من قومِ لوط... ولعلّ كثرة المرسلين والأنبياء في منطقتنا لم تكن أبداً من فراغ!