المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طارق أحمد رفيق Headshot

مَن أضاع الطاسة؟!

تم النشر: تم التحديث:

من حُسنِ الحظ أنّي عاصرتُ "الطاسة والجرن" حينَ كانَ الماءُ دافِئاً حَنوناً ينسابُ منها مُبتسماً لي، وأنا ألهو طِفلاً بوضعِ "الطاسة" كالطربوش، وكأنني مُغامرٌ ينسابُ عَرقُهُ كالماء بعد قِتالٍ هوليديٍ عنيفْ، أو كباشا في عهود البشاوات!

واليوم أصبحَ القِتالُ واقعاً، ولم يعد مُجردَ خيالٍ طفوليٍ، والقتلُ يُباع على البسطات مع جرائد الصباح، أما الباشا فأصبح متسكعاً ضالاً يحاول بيعَ أملاكٍ لم تعُد مُلكه!

فقدنا جرن الماء وضاعت الطاسة، تحت نظرية أظنها مشتقة من خلاصة الحماقة البشرية ألا وهي: "نظرية التحالف مع الشيطان" بحثاً عن الخلاص، نظرية طائشة قاصرة بل قاتلة.

داعش مثال واضح وحيوي، فمهما كانت وسائل الغرب والسياسيين مسمومة وجهنمية لتصدير داعش، إلا أن ذلك لا يعفي من جعل من جهله أرضاً يجلسون فيها.

فقبل أن تبدأ داعش بفتح ينابيع النفط والسرقة والنهب، فتحت عقول ساذجين وشذاذ آفاق ظنوا فيها تحالفاً مؤقتاً للانتهاء من النظام، وأطلقوا مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، ولم يُسقطوا هذا المثل من وجهة نظر داعشية عليهم ذاتهم، وبذلك ظن كل منهم الآخر فرصة، لكن بطريقته، ونسوا أن البقاء للأقوى والأكثر إجراماً وتشنيعاً.

قد أتجاهل عن قصد مصلحة قوى محلية وإقليمية ودولية تُصدّر داعش على أنها مصلحة عميقة بعيدة المدى لجمع نقاط سياسية محلياً وإقليمياً، أو لمصلحة مادية واستراتيجية دولية، تكمن في تدمير الأرض والمال والبشر، عبر أجهزة تحكم تعمل عن بُعد متخلفة عقلياً ونفسياً ولا تنتظر سوى الضغط على زر التشغيل للانفجار.

لكن كيف أتجاهل هذا التخلف وغياب العواقب، عن عقول من بسّط الموضوع، وأخذ منه مصلحة مؤقتة، فكل من راقب التاريخ يرى أن كل منظمة ومجموعة متوحشة أُوجدت ومعها جدول زمني ومهمة وتاريخ صلاحية، واليوم أصبح واضحاً انتهاء صلاحية داعش؛ لنكتشف مرة أخرى الجور الفنية التي وضعنا أنفسنا فيها وبانتظار الخدعة الجديدة!

حقاً إن سنين الانحدار والسراب والسذاجة لم تعلمنا شيئاً بل جعلتْ منا شعوباً غبية تغالي في غيها، وترى في السكين الذي سيذبحها أداةً لتقشير البصل!

نعم، لقد عِشت ماضياً فقيراً في حضارته، لكنه مُتحضر في فِقره، في زمنٍ بات الحاضرُ "أبله" بكل تقدُمهِ، مُتوحشاً أرعن بحداثتِهِ، ولعلّ الإنسان العربي لم يتعلم أن الأيام مع تقدمها تجلب له الحكمة والخبرة، بل أخذ من تقدمها الخرف والشيخوخة، وأضاعنا جميعاً ولم يُضِع الطاسة فحسب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.