المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تقادم الخطيب Headshot

السيسي ليس مارتن لوثر والقاهرة ليست فيتنبرغ.

تم النشر: تم التحديث:

حول تجديد الخطاب الديني وآلياته.
عندما أعلن لوثر مبادءه الخمسة والتسعين التي تتعلق بلاهوت التحرير وسلطة البابا في الحل من العقاب الزمني للخطئية، ورفضه السلطة التعليمية في الكنيسة والتي تحصر عملية فهم الكتاب المقدس وتأويله على البابا، وهو ما يعني غلق باب الاجتهاد والتجديد، وحصره في شخص البابا ومؤسسته الدينية، وعرفت مدينة فيتنبرغ فيما بعد بمركز الإصلاح البروتستانتي التي حملت على عاتقها عملية الإصلاح التي أطلقها مارتن لوثر. لقد ساعد لوثر على تحقيق تلك الإصلاحات تعاطي الطبقة الألمانية المتوسطة إلى جانب عمليات إصلاح في المجتمعات الأوروبية بدأت فيما بعد عن طريق التنوير العلمي، من خلال الاقتصاديات الرأسمالية وبناء الدولة الحديثة والاستغلال الاستعماري في العالم. استغرق هذا الإصلاح قرونًا من الزمن، حتى استطاع في النهاية الوصول إلي الصيغة الحالية، صحيح أن به كثيرًا من التناقضات والأزمات إلا إنه حقق نجاحًا على مستويات متعددة، في المقابل نجد الرئيس المصري يريد أن يقوم بعمليات إصلاح في فترة وجيزة وهو شيء يستحيل من خلال التجربة العملية، ناهيك بعدم وجود رؤية لتحقيق ذلك.

ويأتي مصطلح تجديد الخطاب الديني كأحد متطلبات مرحلة فرضها النظام المصري من خلال سياساته وفرضتها تغيرات إقليمية ومحلية، ويبدو أن الرئيس المصري قد حمل على عاتقه مهمة تجديد الخطاب الديني، فهو يرى أن الدولة هي المسئولة عن كل شيء بما في ذلك الدين، وهو ما كان يعيبه على سلفه محمد مرسي بأنه وجماعة الإخوان يريدون اختطاف الدين. مصطلح تجديد الخطاب يأتي في توقيت ترتفع فيه وتيرة الجماعات الإرهابية في المنطقة وفي العالم، إلا إن النظام المصري قد رفع شعار تجديد الخطاب الديني دون استراتيجية واضحة، ويبدو أنه شعار للاستهلاك ليس أكثر، لأن البداية الحقيقية لتجديد الخطاب الديني هو تحرير الدين من براثن الدولة وسلطتها التي ترى فيه مطية لتحقيق أهدافها السياسية، وإطلاق الحريات العامة وفتح المجالات العامة السياسية والاجتماعية والتعليمية أمام الجماهير لإعمال العقل وإيجاد فرصة حقيقية للتدافع الفكري، إلا إن الدولة تريد أن يتم كل ذلك تحت مرأىً ومسمع منها وهو ما يستحيل عمليًّا، فالنظام واقع في متاهة من المتناقضات، ففي الوقت الذي يطالب فيه بتجديد الخطاب الديني يقوم هو ذاته بعملية وضع المناهج التعليمية التي للأسف لا تخدم إلا أهدافه وتؤكد علي سلطته، في طريقة مشابهة لطريقة الكنيسة التي قصرت فهم الكتاب المقدس وتأويله على سلطتها متمثلة في البابا. ما يغيب عن النظام المصري -عن قصد أو دون قصد- أن الاستبداد والإرهاب وجهان لعملة واحدة، وهنا يتضح فشل تلك المهمة التي يحاول النظام إطلاقها وجعل القاهرة مركزًا لذلك، ويتضح القصور وعدم النجاح لعدة أسباب أهمها:

علي مستوى المجتمع:
بنية المجتمع المصري أصابها الكثير من التشويه، فمع زيادة الأعباء الاقتصادية وكف يد الدولة عن الرعاية المجتمعية نتيجة للفساد وعمليات القمع المتتالية، ساعد ذلك في تمدد الجماعات الدينية التي ملأت الفراغ الذي خلفته الدولة، فاحتمي المسلم بالمسجد والقبطي بالكنيسة، مما أكد روح التعصب والتشدد في كلا الطرفين، وتم تشكيل عقول أجيال كاملة علي أساس من الانتماء الديني وليس الانتماء لقيم وتصورات كبرى ترتكز على حرية المعتقد والدين والفكر والممارسة الديمقراطية، ولعل الفتنة الطائفية التي ما زالت موجودة داخل المجتمع المصري هي أحد صور هذا التشكل العقلي على أساس الانتماء الديني، وساعد على ذلك بصورة واضحة غياب الطبقة المتوسطة التي تآكلت ولم يعد لها وجود، وهي الطبقة المسئولة عن عمليات التجديد والتقدم والدفاع عن القيم داخل المجتمعات بصفة مختلفة. ومن هنا ظهر ما يمكن تسميته بالتدين الشعبي وأصبح الشباب المصري يتجاذبه تياران أساسيان: التيار السلفي وتيار الإخوان المسلمين.

ضعف المؤسسات التعليمية والدينية:
مع هيمنة الدولة علي المؤسسات التعليمية والدينية والتدخل في رسم شئونها بما يخدم مصالحها، تحولت تلك المؤسسات إلى أوكار للبيروقراطية والفساد وأصبحت غير قادرة على التجديد أو تقديم خطاب مجتمعي معاصر يحاول أن يقدم حلولًا للمشاكل المجتمعية المتتالية والناتجة عن أسباب مختلفة وربطها بالمنجز الضاري المعاصر، بل انكفأت على ذاتها واستسلمت لسلطة الدولة وجبروتها واكتفت باجترار المناهج التراثية القديمة دون تقديم جهد ولو بسيط في عملية تنقيحها أو مناقشة ما جاء فيها، ومع الوقت أصبح هذا التراث بمثابة المقدس الذي لا يمكن المساس به وتحول النص الموازي/ التفسيري إلى نص مقدس يلغي حضوره النص الحقيقي. الإشكالية الحقيقية هنا أن هذه المؤسسات خرجت أجيالًا كاملة تربت على هذه المناهج وهذا التصور الذي يرى أن المساس بالتراث هو مساس بالمقدس وطعن في صحيح الدين. لم يقتصر الأمر على ذلك فمع ارتباط تلك المؤسسات بسياسة الدولة والدوران في فلكها، انحسر دورها مع انحسار سياسية الدولة وتراجع موقعها الإقليمي، ولعل الأزهر خير دليل علي ذلك، فقد تراجع دوره علي الصعيدين الداخلي والإقليمي، ونلحظ ذلك التراجع والغياب في إفريقيا مثلًا، فمع غيابه حل محله الجماعات المتشددة التي تتبنى خطابًا تكفيريًّا متشددًا. مع توالي هذه الممارسات داخل تلك المؤسسات أنتجت عقلًا غير قادر على التفكير أو النقد أو تقديم نموذج يمكن أن يكون نواة لعملية إصلاح تتخذ طابعًا تراكميًّا، الأزهر الذي خرج محمد عبده والأفغاني وعلي عبد الرازق وغيرهم أصبح الآن غير قادر علي تخريج عقول تقدم رؤية وفكرًا نقديًّا، وإنما عقلًا نقليًّا غير قادر علي تخطي النصوص القديمة.

بتلك المقولة التي تسمى تجديد الخطاب الديني تحاول الدولة أن تختطف الدين وتخصصه ليتحول إلى منتج سياسي، وهو ما يعني أن تلك المسألة ما هي إلا للاستهلاك المحلي وتبرير القمع، فلو أراد النظام حقًّا تجديد الخطاب الديني لقام بتحرير المؤسسات من سلطته وفرض الرقابة الدينة وإطلاق عمليات الإبداع الفكرية والثقافية والتأسيس لمرحلة ثقافية جديدة وتشجيع الفنون والآداب بأنواعها المختلفة، إلا إنه غير قادر على ذلك أو بالمعنى الأصح لا يريد فعل ذلك. سينطلق قطار التجديد عندما يكون هناك حرية فكرية وسياسية وترسيخ للتجربة الديمقراطية وبناء نظام ديمقراطي حقيقي وتخريج أجيال قادرة على التفكير والنقد واستغلال للطاقات الشبابية المهدرة أو الملقاة في غياهب السجون بسبب التعبير عن رأيها أو رفضها لقمع وظلم متنامٍ، فأجواء الخوف والديكتاتورية المنتشرة وسياسية تكميم الأفواه لن تنشر إلا مزيدًا من التطرف والتعصب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.