المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تقادم الخطيب Headshot

التحولات المجتمعية ودوائر السلطة في مصر

تم النشر: تم التحديث:

منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة المصرية يتضح أن عمليات احتوائها وأسلوب إدارتها من الخارج قد فرض نفسه عليها منذ اللحظة الأولى وقبل التنحي بأيام، فبعد أن تم الانقلاب الناعم على السلطة، وتولي العسكر لدفة الحكم بدأت الإشارة الحقيقية إلى أن المرحلة المقبلة ستكون ذات طبيعة مختلفة في إدارة المشهد الانتقالي، تتسم بالذكاء والمراوغة السياسية، واستخدام آليات تخدم المؤسسة العسكرية وما يربطها من مصالح مشتركة مع حلفائها من المعسكر الغربي والأمريكي، والذين يرون في العسكر الحليف الأساسي لتمرير قراراتهم ورؤيتهم، وليس من ضرر في دعمهم والإبقاء على حكمهم من خلال الاطمئنان على أن من سيصلون إلى الحكم سيصلون تحت رعاية العسكر وحمايتهم، وهذا يعكس من البداية الصيغة التوافقية لضمان الخروج الآمن للجنرالات من السلطة وكفالة الحماية الأساسية لهم، وعدم السماح بالمساس بهم أو محاولة إدانتهم، بالرغم من المجازر التي يرتكبونها، لكي يضمن السيطرة والضغط عليهم من ناحية، ومن ناحية أخرى الابقاء على المعونات العسكرية وتدفقاتها على الجيش، ومراقبته من الداخل، وقياس مدى قدراته وقوة تسلحه، أيضا في المقابل الإبقاء على هيمنة النظام على مناحي الحياة المختلفة والعمل على منع أي تحول مجتمعي قد يؤدي إلى وجود مساحة عريضة من المعارضة غير المسيسة والتي لا تريد سوى أن يكون هناك تحسن في المستويين الاقتصادي والاجتماعي.

لن أتكلم عن دور المؤسسات الأمنية أو المؤسسات الوسيطة )الحكومة مثلا( او عملية استنساخ المؤسسات القديمة والتي لعبت دورا كبيرا في الإبقاء علي النظام والعمل على تماسه، من خلال عدم اللجوء إلى تطهيرها للإبقاء على دورها الذي اعتادت على القيام به، إلا أن هناك شبكة تحالفات داخلية، أو بالأحرى جماعات مصالح ترى أن أي تغير في البنية المجتمعية قد يؤدي إلى خلخلة مساحة السلطة التي تسيطر عليها ولن يصب في صالحها، وبالتالي يشكل تهديداً للنظام الذي تمثل دائرة من دوائره المتعددة، ويأتي رجال الأعمال على رأس شبكة المصالح والتي طالما تقدم على أنها الراعي لتدفق رأس المال الأجنبي للداخل المصري وهو دور مهم لعبته بعض الأقليات الغنية في التاريخ المصري الحديث، وهنا يمكن اعتبار تلك الفئة من رجال الأعمال أقلية تتمتع بنفوذ يسمح لها بلعب هذا الدور، فالمجتمع هو انعكاس للدولة التي يعيش فيها، فبنية مؤسسات الدولة المصرية تتميز بالبيروقراطية والفساد وتشجيع أي حاكم على الانفراد بالسلطة وفرض سيطرته من خلال تلك المؤسسات، في المقابل بنية المجتمع لها نفس القدر من ذلك نتيجة الممارسات التي استمرت لعقود للتحول بتلك البنية المجتمعية إلى ماهي عليه الآن، وقد ساعد على ذلك تآكل الطبقة المصرية المتوسطة والتي تعتبر مسئولة عن عمليات الدفع والتقدم والتطور داخل المجتمعات بصفة عامة وليس المجتمع المصري بصفة خاصة، ونتيجة لذلك أصبح المجتمع مكوناً من طبقتين: طبقة عليا تستحوذ على مقدرات الدولة والنسبة الأكبر من الدخل القومي، وهي طبقة ذات نفوذ تلعب دوراً واضحاً في عملية إطالة عمر أي نظام ترتبط بتحالفات معه، وطبقة أخرى وهي الطبقة الدنيا إن جاز التعبير التي تزيد فيها نسب الفقر والبطالة وتدفع ضريبة ممارسات النظام وشبكة مصالحه، فبنظرة عامة إلى مؤشر الفقر نجد أن نسبة الفقر قد قفزت من 25,2% أعوام 2010-2011 إلى معدلات أعلى في الأعوام التالية بنسبة 26,3%، يتبع ذلك زيادة في نسبة البطالة، وبالتالي هناك عمليات إفقار ممنهج للطبقات الدنيا يمارسها النظام وشبكة مصالحه.

المشروع الذي أطلقه مبارك وهو الزواج بين المال والسياسة وخلق طبقة من رجال الأعمال والتي تقوم بصنع السياسة وهي نفس الطبقة التي يعتمد عليها السيسي باعتباره امتداداً طبيعياً لهذا النظام وهذه الممارسة.

نفس المهمة تمارسها تلك الطبقة في عهده والأزمة الأكبر أنه مع غلق المجال العام تقوم هذه الشبكة بتشكيل المعارضة والسلطة في آن واحد، فتنفذها داخل النظام يجعلها جزءاً أساسياً في رسم سياساته، وفي المقابل تشكيل معارضة وإنشاء أحزاب وتمويل حملات انتخابية )رئاسية /برلمانية( وغيرها من العمليات السياسية، وفي فترة ما بعد الثورة امتد دور تلك الطبقة لمهمة أكثر خطورة وهو تشكيل الوعي المجتمعي من خلال الفضائيات التي تمتلكها واستعداء الشارع على الثورة وحشد الأغلبية الصامتة ضدها تلك الطبقة التي تحتكر رأس المال لا تنتمي سوى لمصلحتها وما يسمح بتوسيع نفوذها على حساب سلطة المواطن ووعيه، وهي جريمة لا تقل عن القتل المباشر. طبقة لن يهمها من هو في السلطة لأنها ستعمل أن تكون حليفاً لكل من يصل إلي السلطة طالما أنه يعبر عن انحيازاتها وتوجهاتها.

كسر نفوذ تلك الطبقة يعني كسر مساحة السيطرة التي احتكرتها طيلة عقود مختلفة وللأسف لن يتأتى ذلك إلا من خلال ثورة جديدة تكون قادرة على التعلم من أخطائها السابقة وخلق مشروع كبير يشعر الجميع بالمساهمة فيه ومحاولة الإجابة على الأسئلة التي مازالت عالقة حتى اللحظة دون أي إجابة.