المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تامر وجيه  Headshot

الجنس في زمن الثورة!

تم النشر: تم التحديث:

في أيام التحرير -يناير/فبراير ٢٠١١- حٓذّٓرٓنا بعضُ أعداء الثورة على شاشات التلفاز من "أنهم"، يقصدون المعتصمين، "يقيمون علاقات جنسية كاملة، هناك، في الميدان"!

مذ ذاك الحين والجنس هاجس من هواجس الثورة المضادة. فالثوار "مخنثون، شواذ، إباحيون". والثورة "معولٌ لهدم قيمنا وتقاليدنا الأصيلة".

كل هذا لا يهم. فماذا يمكنك أن تتوقع من الثورة المضادة غير التفزيع من الحرية؟ الذي يهم هو ردة فعل الثورة على محافظي الثورة المضادة.

الملفت أن الثورة، على الإجمال، كانت هي الأخرى محافظة، بطريقتها الخاصة. ففيما عدا أصوات قليلة رؤي أن نزقها يشق الصف الثوري، رفعت أغلب الأصوات الموصوفة بأنها ثورية رايات العفّة عالية خفاقة، مؤكدة أنها إذ تسعى لبناء مجتمع سياسي جديد، لا تنتوي تهديد القيم الأخلاقية للمجتمع القديم، خاصة تلك المتعلقة بالجنس وتابوهاته الأزلية!

ربما كان تفسير النزعة المحافظة للثورة أن التحالف الذي قادها في أيامها الأولى ضم الإخوان المسلمين. ربما! لكن الأمر فيما أرى أبعد من هذا. فلا أتخيل أن الثورة كانت ستصبح متحررة اجتماعيًا لو كان الإخوان خارج تحالف الميدان. فشتّان الفارق بين يناير ٢٠١١ ويناير ١٩٧٢، حين كان الطلاب المنتفضون، المستدفئون بالكعكة الحجرية، أكثر جرأة على قيم راسخة رأوها آنذاك بالية.

معضلة الثورة لم تكن في هذا التحالف التكتيكي أو ذاك، لم تكن في تقلبات السياسة اليومية، وإنما كانت في تسٓيُّد، أو فلنقل "هيمنة"، رجعية اجتماعية تطرح نفسها كأصولية سنية، وترى إصلاح الدنيا من منظور صلاح الأخلاق، وترى صلاح الأخلاق من زاوية هوس التسلّط على الأبدان.

فشلت الثورة في تحدي هيمنة الأصولية السنية. فأغلبية قادتها المدنيين، من قوميين ناصريين، إلى ليبراليين جدد واجتماعيين، إلى يساريين ستالينيين سابقين، استبطنوا الجانب الأكبر من الرجعية الإسلامية وزايدوا عليها من منطلق "الحفاظ على هويتنا المصرية". أما الأقلية المارقة، فقد طرحت "أجندتها التحررية" في مواجهة الثورة وعلى يمينها، كهوى برجوازي شخصي مرتعد من "ثورة الرعاع" ومستنجد من الناس بالسلطة!

سقط الساسة في الامتحان إذن، فاستمر خطاب عفة الجسد مجلجلًا، واثقًا، ومهيمنًا.

لكن هذا ليس كل شيء. ففي تحد للشعائر والنواهي، ولهيمنة الخطابات المحافظة، واصلت ثورة جنسية صامتة، مسكوت عنها، ذات عمر مديد يسبق ثورتنا السياسية بكثير، لكن مشوهة كما سنرى، سيرها في دأب.

أينعم ما زالت القيم القديمة تصر على الإعلان عن نفسها بأكثر الطرق تخويفًا، وما زال العالم ممتثلًا مقيمًا للشعائر مرددًا للخطاب. لكن تحرر الممارسة العاطفية والجنسية ينجح دائمًا أن يتوسع وينتشر بهدوء رغم أنف كل سلطة.

أصل الحكاية أنه لا يمكن تربيع الدائرة. بنيان العالم القديم يتآكل يومًا وراء يوم، فكيف لك أن تحافظ على ممارساته؟

نقطة البدء لخلخلة العالم القديم كانت انهيار السد الاجتماعي الفاصل بين الرجال والنساء.

في ماض قديم كانت أغلبية النساء محصورات في وظيفة الزوجة العاملة في خدمة زوجها والأبناء، أو الابنة التي تنتظر ابن الحلال. كل هذا خارج أي احتكاك بالرجال الغرباء. فحتى الريفيات اللواتي فرض عليهن نمط إنتاج العائلة الفلاحية المشاركة في أعمال الحقل، كن يقمن بهذا الدور في سياق تقسيم عمل أسري في بيئة تقليدية تعرف بعضها بعضًا، مما لا يتيح مجالًا للاتصال الحر بين النساء والرجال الغرباء.

هذا العالم تقوّض ولم يبق منه حتى الأطلال. والمفارقة أن الفترة منذ نهاية السبعينات وحتى يومنا هذا، فترة صعود الإسلاميين، كانت من بين الفترات الأكثر مفعولًا في تقويضه. فقد تكفلت هجرة الرجال إلى النفط، والأزمات الاقتصادية، وسياسات النيوليبرالية بطلبها الزائد على العمل النسائي الرخيص، وانتشار تعليم النساء كشرط لرفع سعر المرأة في سوق الزواج، وتفكك الأسرة فيما يُطلق عليه مجتمعات العشوائيات، تكفل هذا كله بإخراج الأغلبية الساحقة من النساء إلى الفضاء العام، دون رقيب، مع ازدياد نسب النساء الموّلدات للدخل، وهو ما يعني استقلالًا اقتصاديًا نسبيًا يزيد من هامش حريتهن في اتخاذ القرار.

قل ما شئت حول حياة النساء الأكثر بؤسًا وشقاءً واضطهادًا. كلامك صحيح. لكن صحيح أيضًا أن اندماجهن في عالم كان من قبل حكرًا على الرجال أصبح حقيقة واقعة. فإذا أضفت إلى هذه الحقيقة حقيقة أخرى، هي أن مؤسسة الأسرة تختنق تحت ضغوط اقتصادية تؤخر سن الزواج وتفرض على الأزواج الانفصال بالسفر، فربما تفهم أن البنية التحتية التي تستند إليها النزعات المحافظة أصبحت كعصا سليمان التي يأكلها النمل.

الآن لم يعد ممكنًا عزل النساء عن بيئة مختلطة ينمو فيها الحب كما ينمو الفطر بعد المطر. الآن أصبح الزواج صعبًا لمن هم أدنى من الطبقة الوسطى العليا. الآن ملايين النساء لديهن مصدر مستقل للدخل. فما الذي تتوقعه؟ ليس أقل من ثورة عاطفية وجنسية تحت السطح الأخلاقي للمجتمع. ثورة تعبّر عن نفسها في صورة تحايل ناعم على نواهي الدين والعرف بأشكال شتى، تبدأ من الزواج العرفي والسري، ولا تنتهي عند عمليات ترقيع غشاء البكارة، أو حتى الاعتقاد بأن سرقة قبلة في شارع مظلم ليست ذنبًا كبيرًا، خاصة وأن "الله غفور رحيم ونحن، تقريبًا، نراعي كل نواهيه الأخرى"!

لكن هذه الثورة، المزلزلة حقًا، حُرمت من أهم شروط الثورة: شجاعة المواجهة. فالثورات لا تتسلل ولا تخجل من نفسها. من هنا، فإن التحرر الجنسي النسبي المنتزع عمليًا هو محض براجماتية منسحقة أمام القيم الاجتماعية السائدة؛ محض فعل ذليل يخبّئ نفسه من نفسه.

المضحك المبكي أن المنتصر هو نفسه المهزوم. الضحية هو الجاني. من يسرق اليوم قبلة على الكورنيش هو نفسه من سيفضح في الغد شابًا آخر يمارس الفعل ذاته.

إن كانت هذه المفارقة تعني شيئًا، فهي تعني أن ثورة في الفعل دون ثورة في الفكر ليست أكثر من علامة تحلل، ليست أكثر من حل رجعي لأزمة تجاوُز البنى الاجتماعية للقيم السائدة، حيث يتم التهليل للقيمة في تزامن مع خيانتها. وفي حالتنا فإن القيمة، الرجعية، التي تُطعن ويُهلل لها هي العفة، أي امتلاك الرجال للنساء، أو على وجه أدق امتلاكهم لأجساد النساء، حيث أن الأرواح يصعُب أن تُمتلك.

ثورتنا الجنسية المشوّهة طعنت العفة عمليًا، لكنها استبطنتها كمرجعية قيمية. ومن ثم تضاعف احتقار النساء. حيث أُضيف إلى احتقار التملك احتقار دنس التداول غير الشرعي. فلما فُتح باب خلفي واسع للحب والمناوشات الجنسية خارج مؤسسة الأسرة، نظر الرجل، والمجتمع بأسره، للمرأة كقطعة حلوى كنا نمتلكها ونحميها من الذباب، ثم أتى زمن تكاثر فيه حولها الذباب، فاستحقت احتقارًا إضافيًا لأنها، وليس الذباب/الرجال، هي المسئولة عن إغواء/اجتذاب من تكاثروا حولها.

إجهاض الذكورية لتجربة تحرر الممارسة العاطفية والجنسية، بإخضاعها تلك الأخيرة لمنظومة احتقار النساء، فرّغ ثورة الممارسة من إمكانياتها التقدمية. فمساحة المناوشات الجنسية أصبحت أوسع كثيرًا مقارنة بأزمنة سابقة، لكنها مناوشات مدنسة مع نساء نحتقرهن في أعماقنا. فأي ثورة هذه؟ وأي تحرر هذا؟.

فشلت الثورة السياسية، ثورة يناير، في أن تجر في أذيالها ثورة جنسية غير خجلة من نفسها. وهذه خيبة مؤلمة. لكنها لم تفشل كلية. فهي على الأقل فتحت الجراح المندملة على تقيحها. فإن كان أبناء يناير المحسوبين على معسكر الثوريين غير الإسلاميين، الذين صنعوا للثورة خطابها المدني الرسمي، قد رفعوا رايات العفة، فمن المؤكد أن عشرات، وربما مئات، الآلاف من الجنود المجهولين الذين شاركوا في الثورة وآمنوا بها يطرحون على أنفسهم الآن، رغم الهزائم، أسئلة صعبة، لكن ملحة، حول قيم ظنوا، وقيل لهم، أنها عين الكمال، ثم كشفت لهم تناقضات الثورة مدى إفلاسها ولا إنسانيتها.