المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تامر ربيع Headshot

بين حافتَي الهاوية.. اختَر "ما بين الأقواس"

تم النشر: تم التحديث:

ملحوظ: هذه التدوينة بها بعض العبارات باللهجة العامية المصرية.

(1)
عليك الآن أن تنحاز إلى حافة من الحافتين، وإلا تكون منافقاً وتلعب على جميع الحواف، حتى لو كانت جميع الحواف فاسدة ومهلهلة، ولكن "اللي موجود يا بيه"، يلّا انحاز بقى, وإلا كيف لك أن تنحاز إلى العدل، والعدل غائب ومنقطع عن العمل وأنت تعلم أن "الغايب مالوش نايب ولا منحازين"، ولا يصح أيضاً أن تنحاز إلى المنطق؛ لأن البلد واقعة ومعروف "اللي بيقع ما بيحطش منطق".
(2)
دائماً نُخيَّر بين السيئ والأسوأ "أنا أو الفوضى" - "إخوان أو إرهاب" - "حكم عسكري أو انهيار"، ودائماً نختار اختياراً واحداً ونحصل على الثاني معه مجاناً؛ لأنه "الأوفر على بعضه سياتك ما ينفعشي تختار".
دائماً نوزع الاتهامات على الآخرين وننسى أنفسنا، والحقيقة أن الكل لديه أخطاء، منها الكبائر، ومنها الصغائر، ولن تقوم قائمة أخرى إلا عندما يعترف الكل بأخطائه لوجه الله، وليس عندما يكون طامعاً في كرسي زائل من كراسي السلطة، لك كامل الحرية أن تراه كلاماً خيالياً أو كلاماً واقعياً، لكنه شئت أم أبيت، لن تقوم دولة من دون الجميع، ولن يقوم الجميع "إلا عندما يتطهر من ذنوبه"، ويمثل المخطئ أمام قضاء ناجز عادل.
(3)
هل ما زال أحد في شتى بقاع العالم غيرنا يراهن على الشعارات والهتافات المجوفة؟ هل ما زال أحد يراهن على دولة القرار الواحد، دولة التوجه الواحد؟ هل ما زال أحد يراهن على حب الناس دون أن يقدم لهم أي شيء؟ هل ما زال أحد يراهن على أن تقدّم الأمم غير مرهون بالعلم والمنطق؟ لا يسعنا الحديث في الوقت الراهن عن المعارضة أو عن الثورة، ولن نتحدث عن هذا، ولن أقدمه لكم اليوم، ولن أطالب به، ولكن أطالب فقط بالحد الأدنى من المنطق؛ بالحد الأدنى من العقل، بالحد الأدنى من الرؤية، من الشفافية، من الطريق، لم يعد ثمة شيء يتعلق بالسياسة أو بالثورة، وإنما أصبح يتعلق بالحياة، يتعلق بهل سوف نحيا بشراً أم غير ذلك؟ نعم نحن الآن نطلب فقط أن نحيا بشراً لا أن نحيا كراماً؛ لأن طلب الكرامة يظل هراء في وقت نفقد فيه المنطق!
(4)

توقفت فترة عن الكتابة؛ لأنني حقاً لا أدرى ما هو الشيء الذى يجب أن أكتبه الآن, وهل هذه الكتابات تفرق شيئاً ولو كان ضئيلاً مع أحد؟ أم أنها تمر مرور الكرام ولا تفرق شيئاً ولا تغير شيئاً مع أحد؟ أفكر هكذا؛ لأنني منذ نويت أن أكتب، وأن أنشر كتاباتي، نويت نية خالصة لله أنني سوف أكتب ما أحسه فقط، وما يمليه عليَّ ضميري، وليس شيئاً آخر، ولكي أستطيع عمل هذا كان لا بد لي أن لا أبحث عن الشهرة؛ لأن الشهرة في الوقت الراهن غير صحية، وإذا أردت الشهرة فكان لا بد أن أكتب في صحف أو مجلات أكثر شهرة، وغالبية هذه الأماكن، سواء صحف أو مجلات، لا يوجد بها مساحة الحرية أو الديمقراطية الموجودة في الصحف الإلكترونية.

واليوم كنت أقرأ بعض مقالات أستاذنا بلال فضل، فوجدت فيها مقالاً يتحدث عن نفس كلامي السابق، ويقول فيما معناه: (اكتب اللي انت عاوزه، ووثق كلامك اللي بيمليه عليك ضميرك وحريتك ومبادئك، لو حتى لنفسك، وما تهتمش أوي بأي حاجة تانية)، ولذلك قررت أن أكتب، وعندما نظرت إلى ما يحدث حولي، وجدت أننا حقاً نعيش في هيستريا جماعية، وفعلياً صرنا بلاد ما وراء المنطق، و"عندما تصبح الهيستريا هي المنطق، فعلينا أن نتحلى بالتفاهة؛ لكي نصير عظماء"، وأظن أن هذا المبدأ الذى يسير عليه أغلب النخبة والإعلام، إلا من رحم ربي.
(5)

ولكن للأسف لم يعد المشهد العام مثيراً للفكاهة، لم أعُد أضحك على أولئك الذين يستغلون أي حدث، ويرقصون على موسيقى المهرجانات في الشوارع، سواء احتفالاً بتحرير سيناء أو بانتخابات أو غيرها، لم أعُد أضحك على الذين يحملون البيادات العسكرية على رؤوسهم، لم أعُد أضحك على من تقول إننا مستعدون أن نعطي الأهرامات إلى السعودية، إن أرادت ذلك؛ لأن المشهد لم يعُد يضحك، ولم يعُد مشهداً كوميدياً ،وإنما هو البؤس بكل ما تحمل الكلمة من معنى، هو بؤس الجهل والفقر وبالوعات الإعلام التي انفجرت في كل القنوات، ونجحت في عمليات تفريغ العقول وتتفيهها بشكل ممنهج.
الذى يدافع عن التفريط في جزء من بلده بكل سهولة، ودون حتى التأكد والتقصي من صحة انتماء هذا الجزء، وينزل يرقص في الشوارع بأعلام الدولة الأخرى، صدقوني هو منتهى البؤس، ولم يعُد شيئاً آخر بعد ذلك، إذا كان هؤلاء "الغلابة" الذين يفرحون بأي شيء، ويوافقون على أي شيء من أجل لقمة العيش، ومن أجل أن تسير البلاد بأي حال كما يدّعون، فصدقوني "إحنا اللي غلابة مش هم"، وأخيراً حفظ الله مصر، وكتب لها النجاة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.