المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د.تامر الشريف Headshot

تونس الأقرب إلى فلسطين

تم النشر: تم التحديث:

ظلت فلسطين، على الدوام، قِبلة الشباب العربي ومُلهمة الأحرار في هذا العالم؛ لما تحظى به من مكانة وقداسة وتاريخ، ولأنها ما زالت تعيش أطول احتلال في التاريخ الحديث. ومنذ نكبتها عام 1948، استُشهد واعتُقل وجُرح مئات الأحرار العرب والمسلمين في طريقهم نحوها ملبِّين الواجب، بعضهم انخرط في مجموعات فدائية منظّمة، وبعضهم نفذ عمليات فردية.

آخر شهداء معركة التحرير والإعداد المتواصلة، الشهيد القسامي محمد الزواري، من تونس الشقيقة التي أحبت فلسطين كما لم يحبها أحد من قبل، حباً كبيراً ترجمته في أكثر من ميدان سياسي وإعلامي وشعبي، وجاءت دماء الزواري كإثبات حب جديد وتضامن ومشاركة من نوع آخر.

فبفضل شهيد "القسام" العربي، حلّقت طائرات تونسية لأول مرة في سماء فلسطين المحتلة، وجابت أجواء الوطن بشراكة فلسطينية-قسامية لم نعهدها من قبل، لتثبت أن عقول الشباب العربي ليست عاجزة، وأن المواهب العربية غير مقتصرة على الغناء والفن والتهريج، وأن غياب الحاضنة لهذه العقول في قضايا جانبية كان عن عمد حال دون أن تتجه الوجهة الصحيحة.

لا أظن أن ما قدمه الشهيد التونسي جاء وليد اللحظة، فهو -بلا شك- عمل تراكمي، ونتاج مناشدات ومطالبات دائمة لم يكفَّ عنها قادة "حماس"، الذين طالما حذروا من خطورة طائرات الاستطلاع، سلاح الصهاينة الناجع في اصطياد قادة المقاومة وعناصرها، فكانت الاستجابة أقوى مما كان متوقعاً ومأمولاً، ليس بمواجهة هذه الطائرات وإسقاطها أو تشويش عملها؛ بل بتصنيع طائرات مشابهة تهدد أمن الكيان الصهيوني الذي تباهى على الدوام بأسراب طائراته المجْرمة، زاعماً أنها حكر له.

تفاخر الإعلام الصهيوني باغتيال الشهيد الزواري ومن دون أن يصدر أي موقف أو إعلان رسمي كما هو متوقع ضمن سياسة الغموض التي يتبعها الاحتلال في مثل هذه العمليات، في مقابل نعيٍ قسامي سريع للشهيد يحمل الكثير من الدلالات. وبين عملية الاغتيال ونعي القسام للشهيد التونسي الأول، كان من الأهمية الوقوف على عدة نقاط من وحي الاغتيال والنعي:

1- أعاد الشهيد التونسي محمد الزواري تأكيد أن فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم كما يريد البعض، وأنها ما زالت تسكن قلب كل عربي مسلم غيور، وتلهمه إبداعاً، وتدفعه للعمل من أجلها بما يستطيع.

2- أكدت "القسام"، بعد نعيها الزواري، أن الانخراط في صفوفها مفتوح لكل من أراد أن يخدم قضية الأمة المركزية، ويقدم للمقاومة ما يرفع شأنها ويطور من قدراتها.

3- لم يتوقع أحد أن تسارع "القسام" بتبنّي الشهيد الزواري بهذه السرعة بسبب طبيعة المشهد العربي، والابتعاد عن شبهة عمل المقاومة من خارج فلسطين أو تدخّلها في شؤون الغير، ولكن لـ"القسام" حساباتها الخاصة، حيث أرادت الاحتفاء بالزواري وبدوره في تطوير إمكانات الكتائب التي تميزت بها في الحرب الأخيرة؛ بل وأرادت تكريمه كأول تونسي ينخرط في كتائب القسام بما يمكن أن يشكّل إلهاماً لغيره من الشباب العربي الطامح إلى العمل من أجل فلسطين.

4- جاء الإعلان عن استشهاد الزواري في أحلك وقت تعيشه الأمة؛ حيث انشغل شبابها عن فلسطين وانصرفوا إلى قضايا ثانوية، وأُهدرت طاقاتهم في حروب وصراعات داخلية، وأريقت دماؤهم في معارك جانبية، فصحح بدمائه البوصلة والمسار من جديد وقال: فلسطين دوماً قبلتنا.

5- أقام الشهيد الحجة على بعض الذين يخوضون في دماء إخوانهم، ويستمتعون بتدمير حضارة أمتنا، وارتكاب المجازر مدَّعين أنها خطوات في طريق تحرير القدس، فقد أثبت الشهيد الزواري أن تونس أقرب إلى القدس من عواصم عربية تشرف عليها مباشرة.

6- وصول "الموساد" إلى الشهيد الزواري، بعد هذه السنوات الطويلة من سرية العمل في تطوير قدرات المقاومة وفتح آفاق جديدة لها، يعني أن الاحتلال لا يكلّ ولا يملّ لضرب المقاومة ومن ساعدها في الداخل والخارج، وأن صراع الأدمغة معه مستمر وعلى أعلى المستويات.

7- نجاح "الموساد" في الوصول إلى القسامي التونسي يوجب أخذ الحذر والانتباه أكثر، خاصة أن مواقع التواصل والاتصالات الحديثة مراقَبة وهي بإشرافه المباشر أو بإشراف حلفائه.

8- أزالت وسائل التواصل والتكنولوجيا الحديثة الحدود والقيود التي كانت تحول دون أن يعمل العربي من أجل فلسطين من بلده، ولم تعد الأعذار عائقاً أمامه حتى وإن لم تطأ قدماه فلسطين، ولم يعد وجود للسؤال الدائم: ماذا بوسعي أن أعمل وأقدم؟!

9- أثبت الشهيد الزواري أن العمل من أجل فلسطين لم يعد بحمل السلاح وتنفيذ عمليات فدائية داخلها، فيكفي لهذه العقول الإبداعية العربية الشابة أن تُعين المقاومة في تطوير قدراتها وإمكاناتها وتحسّن من نوعية عملها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.