المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تامر نضال عيسى Headshot

" مُتلازمة الجهلِ والتّسلّط " (1)

تم النشر: تم التحديث:

كثُرتْ الكتاباتُ والتّحليلاتُ حوْل ظاهرة الاستبدادِ والتّسلّطِ وما يُلازمها وينتجُ عنها مِن تخلّفٍ وقهرٍ ، حتى عايَشنا - نحن العرب - إلى وقتٍ قريبٍ أحداثَ ما سُمّي بالربيعِ العربيّ وما رافقَ ذلك مِن مآلات - كان بَعضها مأساويّ ودمويّ بينما ﻻ زَال أكثرُها حظّاً يرزحُ تَحت المُؤامرات والمَكائد - تهدفُ في مُجملها لإعادةِ ترسيخِ وتثبيتِ ثقافة الاستبدادِ وقتْل القّيم والكرامة والمعاني الإنسانيّة الدّاعيةِ للخلاصِ ، ومِن هنا فقد قلّصتْ مرحلةُ الربيعِ العربيّ الفجوةَ ما بين النّظريةِ والتطبيقِ حتّى شَهدتْ مُعظم بُلدانِنا العَربية الكثير مِمّا كَتب الكُتّاب في تحليلاتِهم لهذه الظاهرةِ فأصبَحت واقِعاً مُشاهَداً.

تجاوُزاً لإعادةِ تعريفِ المفاهيمِ والمُصطلحاتِ ، أسْعى في هذا المقالِ لتسليطِ الضوء على البُنيةِ النّمطيّةِ والسلوكيّةِ لنفسيّةِ الإنْسانِ المُتسلّطِ وقرينه المَقهورِ في مُحاولةٍ لرسمِ صُورةٍ عن تلك النّفسيّات بِبُعدها الفرديّ ومدى تلازُمها وعلاقتها التّبادليّة.

لا شَك بأنّ ظاهرةَ الاستبدادِ والرُّضوخِ دخيلةٌ على العقلِ البشريّ وهي مُكتسبةٌ في السلوك الآدميّ ، كما أنّ الله قد خلقَ الإنْسانَ عزيزاً كريماً ووَضع المواثيقَ و سنّ القوانينَ الرّادعة لكافّة أشكال التّسلّط أو قَبول الرُضوخ أمام مُحاولات القَهر.

صحيحٌ أنّ هناك دَوافع عديدة تُشكّل بُنيةً نفسيّةً مندفعةً لمُمارسةِ الاستبدادِ و السيطرة - بدرجات متفاوتة - إلاّ أنّ البُنية النّفسيّة والسُلوكيّة والإدراكيّة لِمَن يَخضعون لسُلطان التّسلط تُعتبر الرُّوح الحقيقيّة والمَسار السَلِس والتّربة الرّطبة لأولئك المُستبِدِين الذين تَشبّعوا كُلياً بحُب السيطرة ومُمارسة القهرِ وفرض الذّات.

يَرضخُ الإنسانُ المَقهور لسلطةِ المُستبِدّ (السيّد) حين يَقع ضحيّة الجَهل والغَفلة وقِلّة الوعي وقُصور الإدراك الفرديّ والجَمعيّ ، فيَرسمُ لِنفسه صورةَ العبد الذي فُرِضَت عليه الدُونيّة والانحطاط ، فيَحترف فنّ المُبالغات والنّفاق السُلوكيّ والتبريرات الغامضة درءاً لشرّ السيّد وطَمعاً في إرضاءه.

وهكذا تستمرُ العلاقةُ القدريّةُ بين السيّد والعبدِ فيَزداد السيّد تَكبّراً وغُروراً وصَلفَاً في حين يستمرُ العبد في السُقوط والرُضوخ حتى يُهيأَ له ألاّ سبيلَ للمُواجهة أو التّمرد , حيث سيَصطدمُ بقيودِ الجهلِ وقِلّة الحيلةِ وجبروتِ السيّد الذي ﻻ يَرحم.

في عالمِ الاستبدادِ لا معنى للإنسانيّةِ ولا وُجود للديمقراطيّة أو الحُقوق أو حُريّة التّصرف والتّفكير ، بل هُناك علاقةٌ واحدةٌ فقط تَنْظُمُ المَنظومة وهي أنَا وفقط أنَا.

البُنية النّفسيّة النّرجسيّة للمتُسلّط تجعله يفقدُ الإحساسَ والشُّعور تجاه آلامِ ومخاوف وقلق مَن يَقبعون تحت سُلطته ، ما ينعكسُ على البُنيةِ السُلوكيّة له باتّخاذ كافّة المُبرراتِ لمُمارسةِ مزيدٍ مِن السيطرة بحق أولئك التَبَع ، وبذلك يَحكم المُتسلط على نفسه بمسارٍ وحيدٍ لتحقيق الذّاتِ وإشباعِ الأنَا والغُرور , وجُلُ ما يَرمي إليه ردمُ تلك النّقائصِ والرّزايا والمَخاوف التي تَشكّلت في بُنيته وآدميته بِفعل تَنشئةِ البيئةِ المُحيطةِ أو التّربيةِ القاسيةِ أو توريثه الاستعلاء.

انهيارُ العلاقة الإنسانيّة حتميّةٌ حين تَتضخّم أنَا السيّد بَينما تَنحدرُ إنسانيّةُ العبد إلى الدُون فلا تَكافُؤ ولا تَعاطف ولا حسّ إنسانيّ يَنْظُم العلاقةَ بينهما ، ممّا يُولّد لدى الإنسان الرّاضخِ حالةً مِن انْعدام الثّقة وانهيار القيم في أعماقه ، فتبدأُ - عند البعض - مَرحلة البحثِ عن مَخرجٍ أو إيجاد هامشٍ ذاتيّ في مُحاولةٍ منه لمُمارسةِ جزءٍ مِن حريّة التّصرف المَفقودة , فيُسارع المُتسلط لقَمعِ تلك المُحاولة - الإرهابية في نظره - بشتّى الوسائلِ لترسيخِ قناعةٍ لدى المَقهور باستحالةِ الخَلاص.

حين يَستسلم المَقهورُ لواقعه القَمعيّ فحتماً سَيلجأ لتبريرِ خُضوعه واستكانته وعجزه في الانفلاتِ مِن قبضةِ السيّد ، فتجدُ بعض المَقهورين يُسارعون للانغماس والتّماهي في شخص المُستبِد ومُحاولة تقمّصِ ذات السُلوك الاستبداديّ بحق مَن هُم دُونهم لتعويض ما يَجدون مِن بُؤسٍ وتَجبّر في مُحاولةٍ واضحةٍ للاستزلام , وهذا أخطرُ ما في الاستبداد.

يَلجأ صنفٌ آخر لمزيدٍ مِن مُحاولات التّفريغ وإثبات الذّات المُنحدرة فيَلجأ إلى السُلوك الطُفوليّ والمُقارنات المَمقوتةِ في تَفسير وتحليل الأحداث والمواقف ، مَع ما يُرافقُ ذلك مِن الانهماك في تقليدِ الآخرين - حيث فقدوا ذاتهم - عند الحُكم على مُجريات الأشياء.

بينما - وفي أحيانٍ كثيرةٍ - يَسعى الإنسانُ المقهورُ لمُمارسة التصنّعِ في المعرفة لاستجلابِ الأهمّية المُجتمعيّة فينغمس في الخُرافات ويتعلقُ في تَفسيره للظواهر والأحداث بالقُوى الخَارقة وأضغاث الأحلام على نحوٍ سطحيّ ساذجٍ أقرب إلى حكاياتِ كَليلة ودمنة لتُصبح في نَظره حقائقَ يُهتدى بها.
هنا نجد المُستبِدّ يَسعى مسروراً لتشجيعِ ودفعِ المَقهورينَ نحو تِلك الخُرافات والقدريّات لترسيخِ قناعةِ العُبوديةِ والتّبعيّةِ في ذهنِ المَقهور.

مزيداً مِن تسليط الضوء على دوافع التّسلط وأسباب الرّضوخ ومنهجيّة الخَلاص في مقالةٍ قادمةٍ بإذن الله.