المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تامر الجيلاني Headshot

هل الديمقراطية هي النظام الأمثل للحكم؟

تم النشر: تم التحديث:

"بما أن الشخص لا يحق له التصويت قبل أن يكمل 18 عاماً فيجب حرمان كبار السن من التصويت أيضاً بعد سن معين"..
"لقد أدليتم بأصواتكم لاختيار مستقبل لن تكونوا موجودين لتعيشوه"..

كانت هذه مقتطفات من تغريدتين لاثنين من الشبان الإنكليز على موقع التواصل الاجتماعي توتير، تعليقاً على نتيجة استفتاء بريطانيا، الذي صوَّتت فيه أغلبية بسيطة (52%) للخروج من الاتحاد الأوروبي.

والمتأمل لنتيجة الاستفتاء يجد أن أغلبية كبار السن فوق 65 عاماً صوَّتوا للخروج مقابل غالبية واضحة للشباب الذين صوتوا بالبقاء، وبما أن إجراءات الخروج من الاتحاد الأوروبي التي تستغرق عامين على الأقل سوف تكون آثارها الضارة أكبر على صغار السن الذين سيعانون من زيادة نسبة البطالة والقيود على السفر لدول الاتحاد الأوروبي مع ارتفاع نسبة التضخم وانخفاض لقيمة الجنيه الإسترليني، في ظل توقعات بتراجع الاقتصاد البريطاني، وكل هذه النتائج سيكون الخاسر الأكبر منها هي فئة الشباب.

ومثلما لكل حدث أبطال، فإن مَن قاد حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي بوريس جونسون، الذي وصفه "نيك كلغ"، نائب رئيس الوزراء البريطاني السابق قائلاً: "بوريس جونسون هو دونالد ترامب، معه قاموس"، وعلقت وكالة بلومبرغ الأميركية على تولي بوريس جونسون وزيراً للخارجية في الحكومة البريطانية الجديدة.

"هل عيّنت رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة، تيريزا ماي، السياسي البريطاني الأقل دبلوماسية على رأس الدبلوماسية البريطانية؟".

هذا الرجل الأقل دبلوماسية هو أكبر أصدقاء ترامب الذي فاز في انتخابات الرئاسة الأميركية، وهو الرجل الذي يشبه بوريس جونسون في عدائه للمهاجرين، والذي ينادي بمنع دخول المسلمين من الولايات المتحدة، وبناء جدار فاصل على الحدود مع المكسيك، والذي دفع الكثير لدراسة كيف وصل الحال بأميركا إلى أن تكون مجبرة على الاختيار بين رجل أحمق وسيدة أخذت شهرتها من كونها زوجة رئيس سابق، وكيف أنه خلال المراحل الأولى للانتخابات لم يستطِع أشخاص آخرون يتحلَّون بالكفاءة أكثر من هذين المرشحين من الوصول إلى المنصب الذي سيتحكم صاحبه في مفاتيح إطلاق الرؤوس النووية لأكبر قوة عسكرية في التاريخ؟!

من أميركا ننتقل عبر الأطلسي من جديد إلى القارة العجوز؛ حيث الصراع يحتدم بين اليمين الفرنسي للفوز بمقعد الرئاسة مع تصاعد أسهم المرشحة اليمينية المتطرفة ماري لوبان، ويقابلها صعود لليمين المتطرف في ألمانيا بعد تقدم حزب البديل المعادي للمهاجرين والأجانب في الانتخابات الإقليمية لثلاث ولايات، ويصعد كثالث أكبر حزب في ألمانيا.

بعد كل هذه النتائج في بلدان توصف بأنها ديمقراطية تبرز بعض الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة:
-هل الديمقراطية هي النظام الأمثل للحكم؟ وهل الديمقراطية التي أتت بهتلر وترامب هي المعبِّر الحقيقي عن أصوات الشعوب؟

-هل إعطاء الحق في التصويت لمن أكمل 18 عاماً بغض النظر عن تعليمه أو توجهاته أو نظرته العنصرية للغير هو النظام الأمثل؟

-هل الديمقراطية هي الحل الوحيد للنمو الاقتصادي؟ وكيف الحال في دول توصف بأنها غير ديمقراطية في آسيا والخليج العربي بأن تحوز على نسب مرتفعة من الدخل والرفاهية؟

-هل من العدالة أن يستوي الشخص حامل الدكتوراه مع الشخص الذي لا يستطيع القراءة أمام صناديق الانتخاب ويكون لكل منهما نفس القوة في تحديد نتائج الانتخابات؟

في تقديري أن الديمقراطيات الغربية ليست هي النظام الأكثر كفاءة، وأن هذه القفزة الحضارية في أوروبا وأميركا في طريقها للاندثار والتقوقع على النفس، ليس اليوم أو غداً لكن ربما في بضع عشرات من السنين، مع صعود قوى أخرى في آسيا وأميركا اللاتينية وإفريقيا، فالصين التي توصف بأنها غير ديمقراطية تستعد لأن تكون القوة الاقتصادية الأكبر في العالم هذا العام باحتياطات من الدولار الأميركي تعادل ربع احتياطات العالم.

وعلى مر العصور ظهرت الكثير من أنظمة الحكم، بداية من الحاكم الإله عند الفراعنة، مروراً بالحكم بالنيابة عن الآلهة في حضارة بابل؛ حيث كان الحاكم مفوضاً من الرب، حتى الحكم الفردي بتوجيه من الآلهة في الحضارة اليونانية، وبعدها ظهور الجمهورية في روما، وتلاها نظام الشورى في الخلافة الإسلامية لمدة قصيرة، تبعها نظام ملكي يتراوح بين ملكية مطلقة حتى وصولنا اليوم للملكيات الدستورية التي ازدهرت بعد الثورة الفرنسية عام 1789 وحكم البوليتاريا.

كل هذه الأنظمة تراوحت فيها بين فترات استبداد مطلق عادل وبين استبداد مطلق ظالم، وحتى اليوم فلم تفلح الديمقراطية في منع نشوب حربين عالميتين، ولم تستطِع أيضاً منع المجاعات على مستوى العالم أو الحروب والتوترات التي ما زالت حتى يومنا هذا منتشرة في بقاع المعمورة؛ لذا أعتقد أننا بحاجة لنظام جديد من الحكم يأخذ من مميزات الديمقراطية ويتلافى عيوبها، ويعمل أو يحاول الوصول إلى عالم أكثر عدلاً ومساواة ورخاء، وهذا ما سوف نناقشه في المقال القادم، بإذن الله.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.