المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تامر البطران Headshot

«جورج طرابيشي» الآخر .. حيث اللاعقلانية!

تم النشر: تم التحديث:

رحل عن هذه الدنيا «جورج طرابيشي» -إلى رحمة الله- وإلى رفوف الكتب، وأيدي القراء، ولا شك أن الله سيبقى أرحم من قرائه، بكافة اتجاهاتهم، وأنا من قرائه الذين أحبوه حبًّا جمًّا، ولم أعد بعدما عرفتُ جورج كما كنت قبله.

لن أتحدث هنا للتعريف به، أو عن مواقف شخصية مباشرة معه، كما فعل كثيرون، ولن أتحدث عن مشاريعه النقدية وترجماته وعقلانيته؛ فهذه يعرفها الجميع، سأتحدث فحسب عن «جورج» الإنسان، الذي تعرفت عليه من كتبه ومقالاته.

لا شك أن كتابات جورج تأخذ الطابع النقدي والعقلاني، لكنها ليست كأي نقد عقلاني جاف؛ فجورج لا يخرج من إنسانيته عندما ينتقد، وتجده يترك ملامح حية في كتبه، تتفاعل مع القارئ، كأنك تجلس أمامه، وتراقب قسمات وجهه!

جورج طرابيشي الذي عُرف بصرامة منهجه العقلي، وإحكام نقده العقلاني، حتى وصفه أحدهم يوماً ما -وأجاد الوصف- بأنه: «يعطل حاسة النقد لديك أثناء القراءة لنقده»؛ باختصار لأنه لا يترك احتمالات في دماغك، إلا تطرق لها أثناء نقد المسائل، إلا في حالات قليلة.

هذا الرجل بكل هذه الدقة العقلية كنت أتلمس خلف كلامه ذلك الطفل النقي الخلوق اللاعقلاني، حتى خلف عقلانيته المفرطة، وليس الوصف باللاعقلانية هنا انتقاص أو إحالة إلى معارضة العقل، إنما إحالة إلى السلوك الإنساني الطبيعي العفوي تجاه الأمور.

كنت أبتسم في داخلي حينما أجده في مشروعه؛ وهو يرد على الجابري، يصر أن يبرز جوانب عقلانية الغزالي، كرد فعل على فعل الجابري المعاكس، حتى في كتابه الأخير والعظيم «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث»، حينما جاء دور نقد ابن حزم جعله معطلًا للعقل، ولم ينسَ استحضار أنه من العقل المغربي، ليضاد نظرية الجابري في العقل الشرقي والعقل الغربي، وينتصر لرأيه في وحدة العقل العربي، لا أريد أن أقول إنه تجنى على أحد بهذا النقد، فهو قدم وجهة نظره مع دلائل، وهو المعروف عنه بدقته في نقل النصوص وأمانته، وأنا من أنصار نظريته في «وحدة العقل العربي»، بل وحدة العقل الإنساني، لكن كنت أستشرف خلف هذا النقد والتضاد الدائم في النتائج، ذلك الطفل الذي يريد أن ينتصر بإزاء خصمه الذي يراه يغش في اللعبة، ويريد أن يثبت بكل ما أوتي من قوة أن زميله هذا غشاش، وربما أخرج له لسانه، لذلك كنت أبتسم، دون اعتراض والمواقف كثيرة.

في مقاله الأخير* الذي كتبه قبل حوالي سنة من وفاته -رحمه الله- وبالمناسبة، لمن قرأ هذا المقال، هو ليس جديدًا؛ فقد كتب ثلاثة أرباعه في كتابه «هرطقات»، وأضاف عليه ما استجد حتى في المقال، في هذا المقال يحدثنا جورج عن مراحل فاصلة في حياته، وبعد أن توفي، عدت لأقرأ المقال، وتوقفت مع المراحل لأجد ذات الإنسان والطفل الخلوق الذي عبر السبعين عامًا من حياته بذات النقاء وبذات اللاعقلانية البريئة.

في محطته الأولى أخبرنا أنه توقف عن أن يكون مسيحيًّا، بعد أن أصيب بصدمة في المرحلة الإعدادية؛ بسبب حديث كاهن عن عذاب شديد ينتظر المذنبين، فكان خروج جورج من المسيحية؛ نتيجة صدمة نفسية، وليس لسبب عقلاني يناقش اللاهوت المسيحي مثلًا، لم يحتجْ للعقل، فقط حكَّم فطرته الإنسانية الطفولية، ليرفض الاستمرار، وكان في سن صغيرة لا يفرق بين الدين ورجل الدين. وإنني تعجبت لما قرأت له هذه القصة قديمًا؛ لماذا لم يرجع، ويفرق بعد أن وعى هذا الأمر؟ ليس لومًا أو أمنية لعودته للمسيحية أو لأية ديانة، لكن سؤالًا عن مدى عقلانية تصرفه.

حتى في محطته الثانية حينما تعرض لموقف مع مدرس الدين المسلم: إذ -على حد تعبيره- حددت تلك الحادثة اتجاهه النهائي في الحياة، نحو أن المشكلة على صعيد العقليات -حسب ما فهمت من مقاله- ويصر جورج أن يظهر جانبه الإنساني في هذه المحطة ليخبرنا عن ندم الأستاذ الشديد على ذلك الموقف، وكيف كان دومًا يحدثه عن هذا الندم، لكن استوقفني كما في السابق كيف لموقف واحد من شخص واحد أن يحدد اتجاهه في الحياة؟ وهو الآن أصبح في مرحلة ما بعد الجامعة، فكيف لم يأخذ بعين الاعتبار هذه النقطة في تعامله مع فكرة حينما بنى رأيه فيها بناء تعامل شخص ينتسب لها؟

من يدري ربما لو حظي جورج بكاهن لطيف ليِّن الطبع يتحدث عن الرحمة أكثر، وله توجه أكثر عقلانية، لكان جورج اليوم كاهنًا أو مسيحيًّا على الأقل! ومن يدري لو حظي بعد تركه للمسيحية بمدرس مسلم ذي فكر منفتح أو آراء أكثر واقعية، ربما كان جورج داعية إسلاميًّا، أو كان قد أعلن إسلامه مثلًا! أو شخصًا عاديًّا على الأقل، إن كانت المحطات هذه، وملاقاة هذه الشخصيات قد حددت التوجه العقلي لجورج كما أعلن أكثر من مرة في كتبه ومقالاته.

وفي المحطة الثالثة كذلك التي حولته إلى كاتب، كانت بسبب نقاش مع رفاق حزبيين مسيحيين أثناء فترة كونه معارضًا في السجن، بعد أن ترك مرحلته الحزبية، يخبرنا جورج «ليست فقط قضية مسلمين وغير مسلمين، ومسيحيين وغير مسيحيين، من حيث الوعي الاجتماعي، حتى ولو كانوا ينتمون إلى أيديولوجيا واحدة. فالقضية أعمق من ذلك بكثير. قضية بِنَى عقليّة في المقام الأول»، وإن كنت أوافقه فيما وصل إليه، لكن وجه الشاهد هنا لديَّ أنه في كل مرة يتحول فكريًّا بناء على نقاش، أو كلمة، سمعها من شخص، فيكون تصرفه العفوي أن يقرر قرارًا نهائيًّا في حياته بشكل حازم، وهذا فعل ليس عقلانيًّا، وإنما هو سلوك أقرب للانفعالي، خاصة أنه مرتبط بموقف واحد يعود له دائمًا، ويبقى يسترجعه!

وحتى في محطته الرابعة الفرويدية لم يختلف الأمر عن سابقه؛ فقد كان يعتاد تقطيع رغيف الخبز قبل أن يأكل بشكل عفوي، كأي طفل خجول على السفرة، وزوجته تلومه بأن هذا الفعل ليس جيدًا؛ لأن بناته يشاهدنه، وكان في كل مرة يعود ليفعلها بشكل عفوي، حتى وقع على نص لفرويد يصف حالة مريض يفعلها، وكان تشخيص فرويد أن هذا بسبب عقدة مرتبطة مع الأب، وجورج كان لديه مشاكل مع والده المتوفى، وقام بالتصالح معه فتوقف من يومها عن تقطيع الخبز..

شاهدته يذكر هذه القصة في شريط مصور، فرأيت أمامي الذي يسرد القصة رجلًا في السبعين، لكنه يرويها بنقاء وروح طفل جميل يقولها بخجل، ثم يردف قائلًا: ومن يومها «عكفت على قراءة فرويد، ثم شرعت أترجم له»، هكذا بكل بساطة أراد الطفل الجميل أن يشكر من ساعده، ربما في التخلص من عقدة تزعج من حوله، أو أراد أن يدل رفاقه على كنز أبهره، كهذا، من موقف واحد، ومن تجربة واحدة، مع فرويد، وهذا سلوك لاعقلاني، كذلك برأيي، ربما نجح الأمر مع جورج بسبب الصدمة، وليس بسبب تصالحه مع والده، في الواقع كلنا عندما نتعرض لمفاجأة أو شيء شد انتباهنا في أمر ما يرتبط بفعل نفعله نبقى نستحضر ما شاهدناه أو قراناه أو عرفناه عندما نفعل ذات الفعل.

وأكاد أجزم أن جورج بقي يذكر فرويد كلما أمسك رغيف خبز، حتى وفاته، وبالتالي لن يقطعه؛ لأنه أصبح واعيًا بتصرفه، وليس لأنه تصالح مع والده أو أنه «كان يمزق والده»، كما كان يقول، لكن هذه هي القناعة التي وصلت لجورج، وأبهرته، وجعلته ينكب على كتب فرويد. وعلى كل حال كان هذا في مصلحة المكتبة العربية، خاصة من مترجم بارع أمين، مثل الجميل «جورج طرابيشي».

وحتى في محطتيه الخامسة والسادسة، رغم أنهما الأشد عقلانية في محطاته كلها في مواقفه مع الجابري، من الحماس الشديد، للنشر له، والتحمس لمشروعه، إلى اكتشاف ما رآه خديعة؛ حينما اكتشف عدم أمانته في النقل، أو ما يمكن وصفه بالتدليس، وانتقاله لمرحلة النقد الشديد، كان يسلك سلوك الطفل الذي لا يقبل أن يخدع، والذي إن أحبَّ أحبَّ بشدة، وإن عادى عادى بشدة، لكن دون أن تغيب عنه أخلاقياته وإنسانيته وروحه.

وبقيت محطته الأخيرة، وهي الشيء الجديد في مقاله الأخير؛ إذ توقف عن الكتابة بعد، فيما أعتبره موتًا أصغر، بعد أن أنهكت روحه الأزمة السورية بكل ما تحمله، وأصرّ أن يكون ذلك الإنسان الذي يتفاعل بكل جوارحه، حينما وقف يراقب «الموت الكبير الذي هو موت الوطن» على حد تعبيره، في حين كانت الأقلام من كل التيارات تتاجر وتنطلق للتحدث مع وضد في صراع ترفع هو عنه يأسًا، وليس انحيازاً، إذ لم يعد يقدر أن يعيش حياة الكبار ومصالحهم، فآثر أن يرحل في صمت.

رحل جورج طرابيشي وتركنا في هذه المعمعة، حيث يتسابق الناس والتيارات لينسبوه لهم، وتصل الوضاعة في البعض ليعتبر نفسه أنضج ثماره، هكذا بكل هذه القدرة الجبارة على القسوة في المتاجرة بوفاته، يتنازع جثمانه كثيرون يريدون أن يثبتوا أنه كان ينتمي لأفكارهم أو معتقداتهم، رحل الطفل جورج بعد مسيرة طويلة من العقلانية واللاعقلانية الجميلة التي لفت حياته وتجاربه.

رحل الأستاذ بألف ولام التعريف -كما كان يحب أن يكرر هذه الصيغة في التعريف لوصف شيء ما- قبل أن أنفِّذ أحد أمنيات حياتي بأن أقابله شخصيًّا، ولعلي ألقاه في مكان آخر أفضل من هذه الدنيا، هو «جورج طرابيشي» فحسب، كما أراد، بدون تصنيفات، ولم يبق لنا، إلا كتبه؛ لكي نلتفت لها قراءةً ونقدًا، وليس فقط مدحًا وتبشيرًا، فليس جورج بكل هذه التحولات في حياته من يرفض أن يُنتقد أو يقبل التبشير!

لقراءة مقالة جورج طرابيشي اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.