المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تمارة عماد Headshot

الوطن ليس فندقاً

تم النشر: تم التحديث:

قرأت ذات مرة عبارة تقول: "الوطن ليس فندقاً نغادره عندما تسوء الخدمة".

أي فندق هذا الذي تتحدثون عنه؟ وأي وطن؟! هل بقي هناك وطن من الأساس؟! وهل لنا قرارٌ بمغادرته أو البقاء فيهِ؟

الكثير غادروا أوطانهم مجبرين مشردين مذعورين من هول الصدمة التي مروا بها، وأخذوا خطوات الرحيل من خلالها وأقدامهم تحط على أرضٍ مقدسة غارقة بدماء الشهداء الطاهرة، غادروا وهم يعرجون بخطوات أثقلها حزن الحروب الجائرة.

حروب أُعد لها مع سبق الإصرار على الخراب والدمار وتشرّد الملايين وغرقهم في أعماق المحيطات، وعلى سواحل البحار.

دعوني أحدثكم عن الوطن.. في وطن البقاء فيهِ للأقوى والأعتى لهؤلاء الغليظة قلوبهم، من لا يعرفون معنى الرحمة، هؤلاء المجرمون الذين لا يحكمهم دين ولا إنسانية، أما عما يسمى القانون، فهم لم يسمعوا أساساً ولا يعترفون بهِ مطلقاً.

قانونهم سلب حياة الناس دون ذنب، سرقة حقوقهم بكل فخر، وممارسة وحشيتهم على الجميع بدون وجود أي قوة ردع توقفهم عند هذا الحد، فالدمار تمكن من عقول الناس وأرواحهم وممتلكاتهم، ولم يبقَ شيء في هذا الوطن يصلح لبقائهم فيه.

ما يصيبك بالخذلان والأسى أن ابن جلدتك هو من يقف مع المتآمرين ضدك، يأخذ بيد العدو ليطلعه على أنفاق النجاة خاصتك، ثم يرددون هتافات الوطن.. الوطن نفديه بأرواحنا وندافع عنهُ في كل وقت وفي ساعات المِحن، وندعو الناس إلى البقاء وعدم ترك وطنهم والتخلي عنه.

كيف لا يتركونه وَهُم يعلمون مسبقاً بأن لا مكان لهم ولا لأولادهم فيهِ مستقبلاً؟!

الوطن ليس فندقاً، ولا أرواح الناس وقوداً لإشعال نيران تمدكم بالدفء والأمان والأموال.

بينما يعيش في الضفة الأخرى من الوطن من يتقاتلون؛ لكي يحصلوا على لقمة عيش يسدون بها رمق جوعهم، ثم تأخذهم القوافل نحو خيمة لا تكاد تتسع لأنفاسهم المشبعة برائحة البارود وخطواتهم المحملة بماضٍ لا يعود.

هذهِ الخِيام التي تجعلهم يلتحفون السماء ويتوسدون الأرض هي كل ما يملكون اليوم، وهي قادرة على أن تقيهم حرارة الصيف وأمطار الشتاء، لكنها لا تؤمن لهم دواء يقضي على هذا الوباء الذي أصبح بالنسبة لدول العالم المتقدم من الأمراض القديمة جداً ونادرة الحصول، لكن في دول العالم الثالث هو ما زال من الأمراض التي تنتشر دون وجود علاج يحد من انتشارها في سبيل تحقيق الغاية التي تقتضي التخلص من أكبر عدد ممكن من أرواح البشر!

من خلال مرض ينسب إلى سوء الأحوال الصحية والمعيشية فلا توجد جهة مسؤولة عنه هو محض قضاء وقدر.

الوطن ليس فندقاً، ولا ثرواتهُ وخيراتهُ هبات لرفاهية المجرمين الذين يتاجرون بأرواح الناس والدين معاً بوصفهم حُكاماً عادلين وشعوبهم يؤخذون بذنبهم، ويجري لهم ما يجري لا أحد يأبه لهم، ومن يلتفت وينتبه لأحوالهم حال ما تحل الكارثة يبدأ التفكير باستثمار مصائبهم ومشكلاتهم ودمائهم لحسابات شخصية وصفقات تحت مسمى المساعدات الإنسانية بملايين الدولارات، يتم إنفاقها هنا أو هناك بأسم المؤسسات الحقوقية والمنظمات الإنسانية العالمية لحقوق الإنسان، والحملات الخيرية التي نكتشف فيما بعد تسييس أعمالها، والخضوع لرغبات الدول الممولة لها، وازدواجية المعايير الَتِي تتبعها في تسليط الضوء على قضايا وتجاهلها لأخرى في ذات الأهمية والسياق، لكن لا تلائم تطلعات السياسة التي تتبعها خارج إطار الإنسانية، فالكثير من القضايا التي تعالج الحالات الإنسانية هي اليوم خاضعة لسياسة معينة وأهداف يمكن تحقيقها من خلالها.

نحن هنا لا نسعى لأن نقلل من شرف ونزاهة هذهِ المنظمات في مزاولة نشاطاتها، لكننا نعلم ما تخفيهِ وتعمل من أجله خلف كواليس المساعدات التي سوف تستمر بالتدفق أمام عدسات الكاميرات، ما زال صمام النهر الأسود يجري ويعبر الحدود ويخترق كل السدود ويمد المستفيدين بالوقود.

ما فائدة بقائك إن كان ثمن البقاء باهظاً جداً، أو ربما لا يقدر بثمن؟ قد يكون خسارتك لحياتك وحياة عائلتك، وكل الأسس التي يقيم عليها فندقك هذا، الخدمات ليست هي كل شيء!
لكن الإنسان هو أهم شيء، لتسوء كل الخدمات في الوطن ولن نغادره إن كان هناك من يشاركك أوقاتك الصعبة فيه، من يحاول جاداً أن لا يستغل الحالة الطارئة للبلد ويحولها لمؤامرة خاسرة مهما كانت الفائدة منها.

لنعِش في الخِيام، لكن علينا البدء من جديد في أخذ هذهِ البقايا وصنع من الحُطام حياة، ومن الغبار والنار أسساً قوية يقيم من جديد عليها وطنك.

أن تقيم وطناً فوق أرضك خير لك من أن تجد نفسك لاجئاً في شوارع مدينة لا تعرف عنها وعن ساكنيها شيئاً، فقط بالكاد تعرف اسمها!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.