المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

الطاهر إبراهيم Headshot

عيد الأخلاق

تم النشر: تم التحديث:

لم يخيّل لي يوماً أني سأرى بأم عيني ثلاثة مواقف غاية في الروعة والرقي تحدث أمامي تباعاً، وتجتمع كلها في زمن لا يتجاوز الساعة.
أما عن اليوم فكان يوم جمعة، أما عن التوقيت فكان أثناء صلاة الجمعة، أما عن الطقس فكان ممطراً لأيام، وأما بالنسبة للبنية التحتية للمدينة فكانت في حالة يرثى لها ... حيث بإمكانك تحمية عضلات الفخذين والساقين عبر ممارسة رياضة القفز الطويل فوق بحيرات شوارعنا !

وإذ بالإمام يكبر ساجداً في ركعته الأولى، أجد الصبي المجاور لي الذي تجاوز عقده الأول بقليل يؤازر لما تبين لاحقاً أنه جده الطاعن في السن ليعينه على الإنحناء والسجود ليسارع بعد ذلك لأداء سجدته، ومن ثم يساعده على النهوض للركعة الثانية ... مع علمه بجواز الصلاة جالساً، إلا أن الشيخ الكبير استحى أن يقابل ربه على كرسي، أعترف أن عقلي قد سها بي قليلاً بعد هذا الموقف ... فلم أعد أرى مثل هذه المواقف التي تجسد الرابط الوثيق بين الحفيد وجده إلا ما ندر، المواقف التي تعبر عن أحد أسمى الأخلاق وهي صلة الرحم.

خرجتُ كعادتي بعد بضعة دقائق من انتهاء الصلاة متوجهاً للسيارة التي ركنتها بضعة أمتار عن المسجد في أجواء تنعدم فيها الألوان، وإذ بشاب في الثلاثينات من عمره مرتدياً تلك البدلة العربية الناصعة في البياض يقطع الطريق أمامي حتى تأتي سيارة ظن سائقها أنه في سباق " فورميلا وان " ليس لتصتدم بالشاب، وإنما لترش من وراءه بماء البحيرة المتكونة من حصاد أمطارِ أيامٍ مضت عليه وعلى تلك البدلة التي تحوّل لونها إلى لون مناسب للمقارنة في دعايات مساحيق تنظيف الملابس !

وكأن الزمن قد توقف بنا في تلك اللحظة، لنشاهد ردة فعل ذلك الشاب من ذلك السائق الذي توقف ليعتذر، وشيء في داخلي وداخل جميع المارة يقول: عن ماذا ستعتذر بعد فعلتك هذه؟! .... وإذ بالشاب المبلل ينفض ما أستطاع من ماء عن بدلته ليلتفتْ بعدها للسائق بإبتسامة (ظننتُ أنها مخادعة في البداية) ليتوجه بكلامه للسائق: حصل خير .. حصل خير، بالتأكيد أنك لم ترى بركة المياه! ..... بعد تلك الجملة، أدركتُ أن ليس الزمن فقط ما توقف بنا ولكن عقولنا أيضاً!

وأكمل المحترم مشواره عائداً إلى بيته القريب وهو مستمتع بزخات الغيث تنساب على وجهه البشوش، سار وكأن شيئاً لم يحدث، مع إدراكي الكامل أنه سار وقد فاز أجراً كبيراً.

هل أنه استوعب مفهوم خطبة الجمعة أكثر منا؟ هل أدرك أنه بإبتسامته "الحقيقية" تلك جنب الحي بأكمله تلوث الهواء بمفردات نابية؟ هل يعي أنه سيصبح بعد هذا الموقف الرجل الأكثر مدحاً بين القوم؟ هل يعلم أنه قد علّم صبيان الحي المعنى الحقيقي لضبط النفس وحسن الظن بالناس؟

ركبتُ السيارة، شغلتُها وانطلقتُ ولا زال بالي سرحان يراوح مكانه بما رأته عيناي لأحط رحالي في محطة البنزين حيث ينتظرني الموقف الثالث لهذا اليوم، وإذ بالسيارة أمامي في الطابور تترجل منها سيدة، تنظر يميناً، فتنظر شمالاً لتجد أن عامل المحطة بعيد عنها، فتقم بنفسها بتصفير عداد البنزين وتثبت خرطوم البنزين في سيارتها (وهو أمر معتاد في حال انشغال عامل المحطة)، وأخذتْ تضغط على زناد الخرطوم سامحةً بذلك بتدفق البنزين، وعينها لم تراوح عن العداد، فانتظرتُ وانتظرتُ حتى أكملتْ تعبئة خزان سيارتها، وأقتربْ منها عامل المحطة لتعطيه خمس دنانير، وأشارت بيدها للعامل بمعنى " انتظر لحظة "
وعادتْ لسيارتها، وكل هذا الوقت وأنا جالس في كرسيي، وزخات المطر تنهال على زجاج سيارتي في انتظار تقدم الصف، حاولتُ التمعن في ما الذي يؤخرها كونها قد أكملتْ مهمتها في المحطة، وأخذتْ قرابة الدقيقة وهي تبحث عن شيء ما في السيارة قبل أن تخرج وتُسلم عامل المحطة عملة معدنية ذهبية اللون فأدركتُ أنها سلمته ربع دينار، المنطق يقول بعد ما حدث أنها عبئتْ خزان سيارتها بخمس دنانير وربع الدينار، ولكن غير المنطق يسأل لماذا ربع الدينار الإضافي؟ .... تقدمتُ بسيارتي آخذاً بعظة خطيب الجمعة "خير إسلام المرء، تركه ما لا يعنيه" ... لأخرج وأرى العداد، وهنا توقف بي الزمن والعقل مرة آخرى ! ... العداد يشير إلى 5.002 دينار ليبي ! ... أي أن السيدة أمامي قد تجاوزت قيمة التعبئة المرغوبة بقرشين اثنين ! ... قرشين اثنين فقط ! ... فلم يسمح لها ضميرها أن تحمل على وزرها قرشين حرام إلى بيتها، فزادت القيمة إلى أن أوصلته ربع دينار !
ما رأته عيني في هذه الساعة من أفعال تفوق عظمتها كل الأقوال ! ... رأيتُ الرفق متجسداً بالكبير وموصولاً بالرحم، رأيتُ ضبط النفس وحسن الظن، سماحة الإعتذار وعظمة الإبتسامة، قوة العدل والإخلاص .... رأيتُ كل هذه الصفات واقعاً متجسداً وليس جملاً تستخدم لإطالة الخطب الرنّانة ! ... وكأنما القدر كتب أن يكون هذا اليوم هو عيد الأخلاق !

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.